«نابليون» تعود إلى البحر

|


نعم هذا ما فعله مواطنون أخيرا، حينما أطلقوا سمكة نابليون "أو الترباني" النادرة إلى البحر من جديد. تناقل محبو الصيد البحري عدة مقاطع لشباب يقومون باصطياد الأسماك، وإرجاعها إلى البحر من جديد، لتتحقق متعة الصيد دون الإضرار بالبيئة. يعد هذا التصرف اعتياديا في بعض مناطق الصيد الترفيهي العالمية، إلا أنه مستغرب من البعض، وقليل الحدوث محليا.
الحديث عن سمكة نابليون أو التي تسمى محليا الترباني أو الطرباني حديث ذو شجون، فهذه السمكة النادرة عالميا Humphead Wrasse التي تعد أضخم أسماك الشعاب المرجانية ذات الألوان البديعة والمتغيرة مهددة رسميا بالانقراض. ما تزال سمكة الترباني تجوب شواطئ البحر الأحمر من ملايين السنين، وتصنع أفضل الأطباق البحرية في المنطقة، لحمها مشهور بالطراوة واللون الأبيض الناصع والطعم الشهي. وما يميز هذه السمكة أيضا أنها تصلح للقلي والشوي والفرن، يحبها البحارة وفي الوقت نفسه تبحث عنها أرقى المطاعم والفنادق. ولكن تعد حالتها في الثقافة المحلية حالة استثنائية، حيث إن التعامل معها كوجبة شهية موجود لدينا فقط، بينما تنعم السمكة نفسها بالحماية والمحافظة في معظم بقاع الأرض، ابتداء من شرم الشيخ حتى أستراليا وغرب آسيا.
القريب من البيئة البحرية المحلية يعرف حجم الضرر الذي نالها في السنوات الماضية، والحقيقة لا يمكن لوم جهة أو طرف محدد ــــ باستثناء غياب التنظيمات المُلزمة وخيارات الممارسات الواضحة ــــ حيث شارك الجميع في الإخلال بالنظام البيئي، من مصانع وشركات صيد وجهات بلدية، خاصة التي تنفذ مشاريعها على الشواطئ وصيادين أفراد ومتنزهين، بلا استثناء.
وعلى الرغم من غياب دراسات المسح البيئي المقارنة التي تصف الحال قبل وبعد، إلا أن اختفاء كثير من الأنظمة البيئية البحرية بالكامل مشاهد وموثق، مثل الخيران وغابات المانجروف والمناطق الشاطئية الضحلة، واختفاء كثير من أنواع الأحياء مشاهد كذلك، مثل الأصداف وقائمة طويلة من الأسماك النادرة، خصوصا الأحجام الكبيرة من بعض الأنواع، وهذا دليل على عجز هذه الكائنات على إكمال دورة حياتها الطبيعية بالشكل السابق نفسه. ولا تقتصر المشكلات البيئية على تدمير الأنظمة واختفاء الأنواع، بل هناك مشاهدات للتلوث الكيميائي والحيوي، مثل الأعشاب الضارة، وهناك كذلك أنواع دخيلة من الأسماك والطحالب، من تأثير المزارع السمكية.
لا تنتهي قائمة الآثار البيئية السيئة التي حصلت لكنوزنا البحرية، لكنّ هناك متغيرين مهمين بدأنا نشاهدهما في الفترة الماضية. الأول، أن الجهات ذات العلاقة بدأت في الاهتمام بكثير من العناصر المؤثرة في البيئة بشكل مختلف، وبات واضحا حرصها على صنع نتائج محسوسة في فترات قصيرة نسبيا. والآخر، أن الوعي المجتمعي في تصاعد مستمر، وهو في نظري متقدم دائما على الإجراءات والتنظيمات بمراحل.
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نحاول استنساخ الممارسات المختلفة في البيئات الأخرى، ونحاول تطبيقها لدينا، بغض النظر عن خصوصية البيئة البحرية أو اعتبارات الثقافة المحلية. كذلك، لن يتمكن أي قانون من أن يزيد من قائمة المحظورات والغرامات وينجح ويصنع الأثر المطلوب، دون وجود حوافز أو خيارات بديلة تحقق الغرض من النشاط المستهدف سواء كان مشروعا على الشاطئ أو صيدا في البحر. لهذا، أتمنى من الجهات التي تقوم على التشريع والتنفيذ للإجراءات البيئية المتزايدة أن تحاول بجد نشر ما يمكن من خلاله تحفيز الالتزام بالإجراءات الجديدة. خصوصا أن هذا الأمر يرتبط ارتباطا مباشرا بتحقيق الرؤى الجديدة التي تنظر للبحر كرافد اقتصادي مهم، بشكل مباشر استغلالا لثرواته أو بشكل غير مباشر للاستفادة منه سياحيا.
أتمنى ممن يقرأ المقال أن يبحث عن عجائب الأحياء البحرية، خصوصا تلك التي تعيش في مناطق الشعاب المرجانية، وأن يجرب استخدام كلمات مفتاحية مثل الترباني أو الساردين أو التونة المهاجرة، وينظر لحياة الأصداف واللؤلؤ مثل البُصُر Giant Clam والصرمباق Spider Conch وغيرها المئات من الكائنات الرائعة التي تثير عجب العلماء على مستوى العالم، والتي كانت- وإلى وقت قريب- تعيش في كورنيش جدة وشواطئ ينبع وخيران الليث. يزداد اليوم الضغط على الباقي منها، ويزداد في الوقت نفسه الضغط على من يتعاملون مع البحر، ما قد يحفز لمزيد من المخالفات والتعارضات والتأخر في الالتزام واستعادة شواطئنا لحيويتها كما يجب.

إنشرها