FINANCIAL TIMES

ما العمل مع خروج امتيازات مواقع العمل عن السيطرة؟

إحدى وظائفي الأولى كانت على سفينة لصيد الجمبري في شمالي أستراليا، حيث تم تعييني طاهية وعاملة على سطح المركب.
لقد كان هذا أمرا مثيرا للحيرة، بالنظر إلى أنني كنت قد تخرجت من المدرسة الثانوية للتو، وبالكاد أستطيع أن أسلق بيضة، ولم يسبق لي العمل قط منذ قبل، على متن قارب.
لقد كان أجري من هذه الوظيفة قليلا، الأمر الذي لعب دورا مهما في توليد استعداد كبير لدي إلى حد ما للاستمرار في العمل، إلى أن جاء اليوم الذي سحبت فيه الشباك التي رميتها على سمكة قرش هائلة.
لقد كانت ثقيلة جدا بحيث إن الضابط البحري، وهو رجل قصير ذو مزاج مرعب، قرر أن الطريقة الوحيدة للتخلص منها كان ربط حبل حول ذيلها الذي يتخبط بعنف، حتى يكون بالإمكان رفعها من على سطح المركب، وإعادتها إلى المياه.
بعد جهود جبارة، كان هذا المخلوق أخيرا يتدلى بشكل عمودي من ذيله فوق السياج، وكان أنفه قريبا جدا من سطح الماء. في الوقت الذي كان فيه عامل آخر على وشك قطع الحبل لتحريره، صرخ الضابط البحري: "لا تهدر الحبل. اقطع الذيل!"
ما أثار رعبي أن العامل قطع الذيل، أسفل الحبل مباشرة. وسقطت السمكة الكبيرة من رأسها في البحر، وغرقت إلى موتها المؤكد، تاركة وراءها دربا دمويا.
من العدل القول، إن العلاقات في مكان العمل لم تتحسن من خلال هذا الحدث. على أنه بما أننا كنا بعيدين في البحر وعلى بعد أيام من اليابسة، فإن الجميع من الكابتن حتى أصغر عامل كانوا خائفين من الضابط البحري، ولم يكن هناك ما يمكن عمله حيال ذلك.
بعد ذلك بسنوات، في كل مرة يصرخ فيها علي أحد أو أشعر بالذعر من بعض الأخطاء الغبية التي ارتكبتها في العمل، أتذكر ذلك اليوم على متن القارب وأقول في نفسي: كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ.
دائما ما يبدو نصيب العاملين في المكاتب كأنه ملاذ مقارنة بما يتحمله ملايين الناس الآخرين.
قبل أيام تم تذكيري بمقدار التوسع الكبير في الفجوة بين حياة الشركات والعمل اليدوي، حين قرأت كتابا جديدا من تأليف دان لايونز بعنوان: "فئران المختبر: لم يجعل العمل الحديث الناس بائسين؟".
لايونز صحافي مضحك جدا يعتقد أن أباطرة التكنولوجيا الجشعين يدمرون حياة المكاتب، من خلال خفض الأجور وتجريد العاملين من إنسانيتهم، وتعريضهم لصراعات الإدارة التي تثير الجنون وعدم الأمان الوظيفي، الذي تخفيه طاولات تنس الطاولة والوجبات الخفيفة المجانية.
كثير من جداله صحيح. أعجبني بشكل خاص القسم عن "الكوابيس المروعة" للمكاتب المفتوحة التي يتم ترويجها كطريقة لتعزيز التعاون، لكنها بدلا من ذلك تجعل الناس غاضبين وغير منتجين، كل هذا لتوفير النفقات العامة.
مع اقتراب نهاية الكتاب، حيث يكتب لايونز عن المديرين المعقولين الذين يعاملون العاملين لديهم معاملة حسنة، شعرت بصدمة من اتجاه آخر في سيليكون فالي: الامتيازات المفرطة للموظفين.
أنا متأكدة من أنه في الحالات المتطرفة، يمكن أن يكون المكتب الحديث شكلا من أشكال الرعب الكئيب، ولربما أسوأ من سفينة صيد الجمبري.
من المفيد أن نتذكر أنه في الأعوام الأخيرة، أصبحت مواقع العمل أيضا أماكن لسخاء لم نكن نسمع به في الماضي.
في شركة البرمجيات بيزكامب في شيكاغو، يذكر لايونز أن العاملين لا يحصلون على المجموعة المعتادة من عضوية الصالة الرياضية، والتدليك وما إلى ذلك.
بالنسبة للذين يبقون لمدة عام على الأقل، تدفع الشركة أيضا مقابل إجازة سنوية تصل إلى خمسة آلاف دولار.
كنت قد سمعت عن مزايا تجميد البويضات وعوائد أخرى في شركة فيسبوك، لكن ليس في هذه الإجازة السنوية مدفوعة الأجر، التي تعد أكبر فائدة بكثير من هذه المزايا. لربما كان ينبغي علي أن أفعل.
كان هناك "انفجار في التنوع" في أنواع الامتيازات التي توفرها الشركات للعاملين في الأعوام الأخيرة، في مختلف أرجاء العالم، كما يقول باحثون في موقع الوظائف جلاسدور Glassdoor وليس في الولايات المتحدة، فقط.
في شركة يو كيه فاست UKFast البريطانية لقبول البيانات، يحصل العاملون على يوم إجازة مدفوعة الأجر في أعياد ميلادهم، وإجازة لمدة أسبوع للزواج، إضافة إلى شيء يسمى يو كيه فست UKFest، وهو مهرجان سنوي مع فرق موسيقية تحيي الحفل، وأطعمة ومشروبات مجانية، بحيث تم وصفه بأنه "مهرجان جلاستونبري صغير".
في إسكتلندا، فإن "برو دوج" الصغيرة المستقلة، تقدم للناس الذين لديهم كلب جديد إجازة لمدة أسبوع، للمساعدة في تحقيق الاستقرار له.
من المثير للاهتمام، أنه من غير الواضح فيما إذا كان يجدر بهم أن يكترثوا لذلك. المزايا الغريبة يمكن أن تحتل العناوين الرئيسة، لكن البحوث التي أجرتها "جلاسدور" في عام 2016، أظهرت أن هنالك ثلاث فوائد أساسية تمثل أهمية استثنائية بالنسبة للعاملين: التأمين الصحي، وخطط التقاعد، والإجازات.
تشير دراسة أخرى أجريت حديثا إلى أن الفائدة الأولى التي يسعى معظم العمال إلى نيلها هي حتى أكثر بساطة: الإضاءة الطبيعية والمناظر الخارجية الخلابة.
أتمنى بكل صدق أن يكون هذا صحيحا. إن هذا يعني أن جميع العاملين الذين يعملون في الخارج، في ظل ظروف شرسة، على الأرض أو في البحر، دون أن يكون بانتظارهم اشتراك في دار للياقة البدينة، ربما يصبحون هم الفائزين الحقيقيين في ميدان العمل في نهاية المطاف.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES