آلية لا تقدم ولا تؤخر

|


هناك من ابتهج في إيران بعد أن أفلحت بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وبعد طول انتظار في الإعلان عن الآلية المالية الأوروبية الخاصة لتسهيل التجارة بين طهران ودول الاتحاد الأوروبي.
وهناك في إيران من لم يساوره أدنى شك أن الآلية هذه والمسماه بالإنجليزية INSTEX ولدت ميتة ولن تغير في الوضع القائم في البلد شيئا.
كصحافي كتبت كثيرا عن الحصار كمفهوم وممارسة. وعلى المستوى الشخصي أتابع أي قرار أو عملية حصار في العالم وأحاول دراسته عن كثب. ومن هنا قد أكون في محل يسمح لي بأن أدلو بدلوي حول الحصار الأمريكي الخانق المفروض على إيران، استنادا إلى واستدلالا على معرفتي المتواضعة عن تجارب مماثلة.
لأي عملية حصار كي تنجح، يجب أن تكون وراءها قوى عظمى ذات إمكانات اقتصادية وعسكرية تدب الخوف لا بل الرعب في قلب أي مؤسسة أو دولة تقوم بانتهاك شروطها.
وإن حاولت أي دولة أو مجموعة دول الالتفاف على الحصار الذي تفرضه هذه القوى العظمى، فعليها وضع أمر مراضاتها والتعامل مع طلباتها والشروط التي تفرضها نصب أعينها.
حتى إن كان قرار الحصار قد صدر عن مجلس الأمن للأمم المتحدة وتحت البند السابع، فسيتفكك ويتخلخل الحصار وبسرعة، إن لم تقف هذه القوى العظمى خلفه.
ومن ثم هناك فرضية مهمة نستقيها من الدراسات في العلوم السياسية تقول إن مكانة الدولة أو الدول التي تخرق الحصار الذي تفرضه قوى عظمى ستضمحل وتضعف على المستوى الدولي حال ما تفشل في مسعاها.
والفشل هذا سيزيد من سطوة الدولة المهيمنة التي تفرض الحصار ويصبح أمر انتهاكه أو الالتفاف عليه عسيرا.
راودتني الأفكار هذه وأنا أراقب سيل المقالات والمواقف حول الإعلان عن الآلية الجديدة التي يحاول فيها الأوروبيون منح إيران ما يقولون إنه امتيازات تجارية للحفاظ على اتفاقها النووي مع القوى العظمى بعد انسحاب أمريكا منه.
أقرب مثال للحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران حاليا هو الحصار الشامل الذي فرضه مجلس الأمن على العراق إثر غزوه الكويت عام 1990.
وإن أردنا تقريب الآلية الأوروبية لأي محاولة جرت لتخفيف الحصار المطبق على العراق، فإن أقرب مثال قد يكون برنامج النفط مقابل الغذاء الذي شرعه مجلس الأمن لمساعدة بغداد في استيراد الدواء والغذاء تحت مراقبة صارمة.
ولكن رغم المراقبة الدولية الصارمة هذه، فإن برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق يعد واحدا من أكثر الآليات فسادا في تاريخ الأمم المتحدة.
مع ذلك، ساعد البرنامج على تماسك الدولة والحكومة العراقية في حينه لمقاومة الحصار ولم تسقط إلا بعد غزو أمريكي-بريطاني شارك فيه مئات الآلاف من الجنود المدججين بأحدث الأسلحة وذلك في عام 2003.
سيخطئ الإيرانيون إن تصوروا أن الآلية هذه ستمنحهم أكثر مما منحت آلية برنامج النفط مقابل الغذاء العراق. تصوير الآلية من قبل جهات إيرانية على أنها خطوة إيجابية للالتفاف على الحصار الأمريكي يشبه الجري وراء السراب.
هذه قراءة متواضعة لهذه الآلية ومستقبلها. ولكن ربما السؤال الأهم هو ماذا يمكن للمراقب أن يستشف من الإعلان المتأخر جدا عن هذه الآلية بقدر تعلق الأمر بأوروبا ودولها الكبرى – ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
الإعلان عن هذه الآلية وبهذه الطريقة يؤشر إلى حقائق قد تكون غائبة لدى كثيرين.
أولا، يبدو أن هناك خلافات عميقة بين الدول الأوروبية ذاتها حول الآلية وكيفية عملها والموقف من طهران.
ثانيا، الآلية ومهما طبل لها الأوروبيون والإيرانيون قد أخذت مداها مثل المفرقعة التي حال انفجارها ينتهي دورها.
ثالثا، أظهرت الآلية هشاشة الدور الذي تلعبه أوروبا على المسرح الدولي في غياب الدعم الأمريكي وبرهنت على ضعفها عند تركها لوحدها.
رابعا، واحد من أهم النتائج التي يمكن التوصل إليها بعد الإعلان عن هذه الآلية هو أن أوروبا غير موحدة حول أغلب القضايا الدولية لا بل مهمشة عندما تحاول اللعب على المسرح الدولي بمفردها.
وماذا عن إيران؟
من الصعب التحدث بصراحة إلى السلطة أو محاسبتها في إيران، شأنها شأن أي دولة تغيب فيها الممارسة الديمقراطية وحرية الصحافة.
وعليه، فإن التيار المسمى بالإصلاحي "أي الحكومة الحالية" ستبذل وسعها لتوصيف الآلية وكأنها المخلّص الذي طال انتظاره. أما المتشددون، فسيحاولون وصفها بالعقيمة.
ماذا سيحدث؟
سيتجنب الإصلاحيون والمتشددون رفض الآلية، لأن ذلك سيكون بمنزلة السير صوب الموت. وسيتجنب الاثنان تحدي أمريكا وإحياء البرنامج النووي، لأن ذلك سيكون بمنزلة انتحار. ماذا ينتظر إيران كدولة وشعبها المغلوب على أمره؟ الله أعلم!

إنشرها