شجرة التقدير

|

فجأة انخفض أداء أحد زملائي في العمل. تراجعت لياقته، وانحسرت ابتسامته. انعزل واعتزل.
لاحظ الجميع هذا التراجع والانكفاء إلا مديرنا.
كان زميلنا يصل إلى الدوام متأخرا عدة ساعات دون أن يلقى من المدير أي عتب.
عندما يكلفنا المدير بمهمة نطلب منه أن يشرك زميلنا المتقهقر لكنه يرفض بذريعة تكليفه بمسؤوليات أخرى.
كان هناك استياء شبه عارم بسبب المحاباة الكبيرة التي يبديها والتي لا يبديها المدير تجاه زميلنا. بعد فترة غادر زميلنا في إجازة طويلة لمدة شهرين تقريبا ثم عاد بشكل مبهر. كان الأميز على الإطلاق حيوية وعملا وإبداعا. لم أستطع إخماد سعير الأسئلة في جوفي حيال التحولات الدراماتيكية في شخصية زميلنا. وسر العلاقة العميقة بينه وبين مديرنا، التي أدت إلى تغاضيه عن الغياب والتأخير والتخاذل قبل عودته من رحلته.
اعترف لي زميلي أنه مر بظرف صعب جدا تجسد في إصابة ابنه بمرض عضال، ما تسبب في انهياره وتوتره وانشغاله واشتعاله. وانعكس ذلك بدوره على مستوى التزامه وافتقاده التركيز في العمل.
يتذكر كيف كان يشعر بتأنيب ضمير كبير بسبب تراجعه في أداء مهامه، ما اضطره إلى طلب الحصول على إجازة استثنائية، حتى يتابع حالة ابنه ولا يقصر في مسؤولياته العملية. بيد أن المدير رفض ذلك قطعيا قائلا له: "ألمك ألمنا. إجازتك قد تجعلك تتعب أكثر. يحاصرك مرض ابنك في كل مكان. العمل قد يمتص مشاعر حزنك ويشغلك. لن أدقق في حضورك وانصرافك. وسأخبر زملاءك بأنك مكلف بمهام خارجية".
يرى زميلنا أن موقف المدير كان له أبلغ الأثر في استقراره النفسي، وترتيب أمور ابنه لاستكمال علاجه في الخارج. وأشار إلى أن عودته إلى العمل بالروح العالية بعد تكلل عملية ابنه الجراحية بالنجاح، تأتي كرد دين إلى مديره، والمنظومة التي تعاونت معه.
لقد ظل الموقف السابق راسخا في أعماقي رغم مرور عدة سنوات عليه، لأنه يحمل في طياته عديدا من العبر، أولها:
أحسن الظن بالجميع. فأجوافنا تكتظ بالأسرار والمعاناة التي لو اكتشفناها لأشفقنا على بعضنا ولم نحقد على بعضنا. والعبرة المهمة التي تعلمتها على الصعيد العملي أنه كلما قدمت لمرؤوسك قدم لك. إذا أكرمته أكرمك أضعافا. فسر أي بيئة ناجحة يكمن في قائدها الذي بوسعه أن يقودها إلى بر الأمان أو إلى الغرق.

صديقي المدير:
اغرس تقديرك بذرة في نفوس موظفيك لترتفع شجرة التقدير فتثمر وتنير.

إنشرها