كي تنجح افهم سر نموذج العمل

|

في عام 2003 قدمت شركة أبل للعالم منتجها الجديد IPod الذي يصنف كجهاز مشغل موسيقى مثله مثل أي جهاز آخر في السوق لكن حقق نجاحا غير عادي بل عُدّ ثورة في هذا المجال، إذن لماذا نجح هذا الجهاز بهذا الشكل بينما البقية اختفت أو لم تحقق نجاحا مماثلا له؟ السبب هو قيام "أبل" بتغيير قواعد اللعبة وتقديم الجهاز بطريقة مختلفة لا يماثلها أي شيء موجود وهي بدمج ثلاث خدمات في جهاز واحد ومن شركة واحدة وهي "الجهاز كمشغل أغان، نظام التشغيل، تقديم خدمة متجر إلكتروني للأغاني"، وعبر هذا النموذج استطاعت "أبل" تحقيق نجاحات لم يسبقها أحد إليها، رغم أنها لم تخترع فعليا أي تقنية حديثة، فكل ما سبق تقريبا كان موجودا قبل هذا الجهاز، الذكاء من "أبل" كان في جمعها في مكان واحد وبتكلفة قليلة ومنافسة، إذن كل ما عملته "أبل" هو تقديم نموذج عمل جديد لهذا القطاع، ما أدى إلى تغيرات هائلة طالت المنافسين ومقدمي الخدمات وصناع الموسيقى والأهم العملاء، وبعد ذلك استمرت "أبل" في تطوير هذا النموذج وتقديمه بالفكرة نفسها إلى عالم الهواتف المتنقلة الذي كانت تسيطر عليه في ذلك الوقت شركة نوكيا في المقام الأول و"بلاك بيري" وغيرهما من الشركات، دخولها إلى هذا القطاع أدى إلى النتيجة نفسها، خلخلة رهيبة للمبيعات، ما أدى إلى انهيار مبيعات شركة نوكيا حتى إنها أصبحت في آخر القائمة وخرجت من المنافسة.
إذن إيجاد نموذج عمل منافس من الأهمية بمكان، حيث إنه يتجاوز الاختراع أو الابتكار في الخدمات والمنتجات، فحسب مسح قامت به The Economist Intelligence أظهر أن 50 في المائة من الرؤساء التنفيذيين يؤمنون بأن الابتكار في نموذج العمل سيكون أهم من الابتكار في المنتجات والخدمات.
لكن وبما أن الابتكار في نموذج العمل مهم لماذا لا يتم؟ ولماذا لا يطبق؟ أو لماذا لا ينجح في كثير من الأحيان إذا تم تطبيق ابتكار في النموذج؟ الإجابة هي أن أغلب الشركات والرؤساء التنفيذيين لا يعلمون بشكل سليم وواضح ما هو نموذج العمل الحالي حتى يقوموا بتغييره أو ابتكار نموذج أفضل منه، ولذلك سأركز في هذا المقال على شرح وتوضيح ما هو نموذج العمل وكيف تستطيع معرفة نموذج عملك الحالي.
نموذج العمل يتكون من أربعة مكونات رئيسة كلها تعمل لإيجاد وتوصيل قيمة في نهاية الأمر، هذه المكونات هي:
1 - القيمة المقدمة للعميل Customer Value Proposition وهذه هي أهم المكونات على الإطلاق، فالنموذج الناجح هو ما يقوم بتقديم حل مناسب لمشكلة أو احتياج رئيس ومهم لدى العميل، لذلك بمجرد أن نفهم المشكلة بكل أبعادها بما فيها عملية الحل نستطيع أن نصمم العرض للعميل، وكلما كان هذا العمل مهما للعميل وكان الحل البديل من قبل المنافسين ضعيفا زادت فرص النجاح للعرض الذي ستقدمه الشركة كحل جديد وبديل، لكن من المهم تقديمه بسعر منافس أو أقل مما هو معروض في السوق، ومن الحلول البديلة، إذن من الأهمية التشديد على أن يتم أولا التركيز على تقديم نموذج حل أو عرض يحل صميم مشكلة أو احتياج مهم للعميل دون التشتت بتقديم خدمات لا تخدم هذا الغرض.
2 - معادلة أو تركيبة الربح: إن معادلة الربح هي المخطط الرئيس لكيفية تحقيق الشركة القيمة المقدمة "لها" بينما تقدم القيمة للعميل، ولذلك هي مكون مهم لنموذج العمل ولاستمرارية الشركة، فدون وجود معادلة للربح من الممكن تحقيقها فلن تستطيع الشركة الاستمرار في تقديم القيمة للعميل، تتكون معادلة الربح من أربعة أجزاء وهي:
- نموذج الإيرادات "السعر * الكمية"
- هيكلة التكاليف: التكاليف المباشرة، التكاليف غير المباشرة، وفرات الحجم، وهذه التكاليف تكون غالبا قادمة من تكاليف الموارد الرئيسة لنموذج العمل.
- نموذج الهوامش: عن طريق معرفة الكميات والتكاليف يتم تحديد الهوامش المطلوبة لكل عملية للوصول إلى الربح المناسب.
- حركة الموارد أو الأصول: سرعة دوران المخزون أو الأصول الثابتة أو أي أصل معيار مهم لقياس الكفاءة والاستغلال الأمثل، ومنها يتم التأكد من أن الإيرادات عند المستوى المطلوب أو هنالك أصول أكبر من اللازم.
هنا يجب عدم الخلط بين نموذج العمل ومعادلة الأرباح، فليست هي الشيء نفسه! بل معادلة الأرباح هي جزء من مكونات نموذج العمل. ولعل السر للوصول إلى أفضل طريقة لمعادلة الأرباح البدء بتحديد السعر الذي يحقق الهدف الأهم وهو تحقيق قيمة للعميل، وبعد تحديد السعر البدء بشكل عكسي لتحديد ما هي التكاليف المتغيرة وما هو هامش الربح الإجمالي المطلوب بعدها يتم تحديد الكميات اللازمة لتحقيق هذا الهامش ولتحقيق دوران للأصول بشكل مناسب ليصبح بعدها هو هدف المبيعات.
3 - الموارد الرئيسة: هذه الموارد مثل الموظفين، التقنية، المنتجات، الأصول الثابتة، قنوات التوزيع والعلامة التجارية كلها مطلوب منها أن تقدم القيمة للعميل والشركة في الوقت نفسه، ومعرفة كيف تتفاعل مع بعضها ومعرفة الأصول التي لا تسهم في تقديم القيمة.
4 - إجراءات وسياسات العمل الرئيسة: أغلب الشركات الناجحة لديه إجراءات عمل للتشغيل وللإدارة تساعده على تحقيق هدف تقديم القيمة بشكل يضمن تحقيقها بشكل متكرر وبالجودة نفسها وهذا هو المغزى المهم من وجود الإجراءات، حيث تغطي الإجراءات عمليات مثل التدريب، التطوير، التصنيع، الموازنة، التخطيط والتوسع وغيرها.
هذه المكونات الأربعة هي الخليط الرئيس لما يسمى نموذج العمل، وبعبارة أخرى، القيمة المقدمة للعميل ومعادلة الأرباح توضح ما هي القيمة للعميل والشركة، بينما الموارد وإجراءات العمل الرئيسة توضح الكيفية التي ستقدم بها القيمة للعميل والشركة.
هذا الإطار مهما بدت لك بساطته إلا أن قوته تكمن في تعقيد ارتباط كل مكون بالآخر أو توقفه على أداء الآخر، وهنا يأتي دور الإدارة لمعالجة وفهم هذا التداخل والارتباط والاستفادة منه والخروج بالمعرفة الصحيحة لنموذج العمل الحالي، بعدها تأتي الخطوة الأخرى في حال كان هذا النموذج بحاجة إلى تغيير بسبب السوق أو المنافسة أو أي سبب آخر، وهي كيف نصنع نموذج عمل جديدا وناجحا؟ لعل الإجابة تكون في المقال القادم ـــ بإذن لله.

إنشرها