الاتفاقات أو القيود الأفقية

|

تأتي قوانين المنافسة عموما، ونظام المنافسة السعودي الصادر عام 1425هـ خصوصا ليحاولا مراقبة السوق، والتأكد من وجود منافسة حرة دون أن تكون هناك ممارسات احتكارية. ومن هذا المنطلق، فإن نظام المنافسة السعودي ولائحته يقومان على المراقبة دون أن تكون لهما سلطة التدخل في السوق ابتداءً، أو إيجاد الحلول لأي قطاع أو نشاط في السوق. وإن كانت قوانين المنافسة عموما قد نشأت بالشكل الحالي من الأسواق الرأسمالية، إلا أن فكرة قوانين المنافسة تعد نوعاً من التدخل الحكومي بشكل أو آخر. هذه المقدمة تقود إلى فكرة أساسية هي: بما أن قوانين المنافسة تعد نوعاً من التدخل الحكومي في السوق، ولا سيما الأسواق الحرة ولو نسبياً، فإن هذا يفترض أن تطبيق قوانين المنافسة ينبغي أن يكون تطبيقاً حذرا، ويسعى إلى بناء تطبيقاته على أسس قوية؛ لأن الخطأ في قوانين المنافسة له آثار كبيرة في المنشآت، والاقتصاد عموما.
أستعرض هنا مثالاً، وأستشهد بقضية أوهايو ضد شركة أميركان إكسبريس في الولايات المتحدة، التي تحدثت عنها في مقال سابق بعنوان "أميركان إكسبريس والمنافسة"، وتحدثت فيها عن بند يسمى Anti-Steering، الذي يحظر على تجار التجزئة أن يقنعوا أو يحفزوا حاملي البطاقات الائتمانية على أن يستخدموا بطاقات ائتمانية تحصل على رسوم أقل. من المهم ملاحظة أن المحكمة عدت بند Anti-Steering نوعاً من القيود على التجارة، لكن قامت المحكمة بنظر هذا القيد وأثره، وهل له أثر سلبي في المنافسة؛ ما يعني أن القيود التي تكون بين الشركات يفترض وينبغي أبداً ألا ينظر إليها على أنها مخالفة لقوانين المنافسة من ظاهرها، بل وجودها فقط قد يجعلها عرضة للدراسة من قبل أجهزة المنافسة إن ظهر فيها أنها قيود غير معقولة. وفي حال وجود لوائح تنفيذية لنظام المنافسة مثلاً، يفترض أن تقلل هذه اللوائح حالات الدراسة، أو نطاق المناطق الرمادية، ما يعطي القطاع الخاص أريحية وفسحة كبيرة لإيجاد واستحداث ما يناسبها مالياً، ويحقق أغراضها، ويجعلها في تحفيز مستمر. تكتسب هذه القضية أهميتها من عدة أوجه، لكن من أدق جوانب أهميتها هنا أنها من قضايا الاتفاقات الأفقية، التي تتم بين درجتين من درجات خط الإنتاج؛ بين الشركة المنتجة والموزع، أو بين الشركة المنتجة وتاجر التجزئة. كما تكمن أهمية هذه القضية في أنها تُظهِر كيف أن السوق مع تحديثها وتطويرها تُظهِر أنواعا جديدة من الممارسات السوقية التي تحتاج إلى نظر ودراسة مستمرة، وعدم إلحاقها بمشابهاتها بمجرد المقارنة المجردة، كما تظهر حَذَر المحكمة العليا في أن تصادق على حكم بمخالفة منشأة معينة من المنشآت؛ لأن هذا سينعكس على الممارسات السوقية عموما.
وقد يقال تجوزاً إنه في إطار قوانين المنافسة الخطأ في عدم اعتبار احتكار ممارسات معينة أيسر أو أخف من الحكم باحتكارية هذه الممارسة؛ لأن تعديل هذا الخطأ في حال تبينت احتكارها أيسر وأقل كلفة مما لو كانت على العكس.
في الختام؛ تشتمل تعاملات القطاع الخاص على كثير من البنود التعاقدية، التي تبنى على الاتفاقات بين الأطراف، والمصالح للطرفين أو للطرف الذي لديه مزية أعلى، ومن المهم أن يعد نظام المنافسة السعودي الأصل في القيود التجارية والبنود الجواز، إلا إذا ظهرت قيود غير معقولة بشكل واضح، وهذا قد يتطلب توضيحا أكثر.

إنشرها