السخاء الساطع

|

عندما كنت صغيرا جذب انتباهي تعامل جارنا مع ابنه الطبيب الشاب. 
فور أن يدخل علينا ابنه في المجلس تنفرج أساريره ويناديه بصوت عال: أهلا بالدكتور. 
يحرص أن يتحدث عنه بحب وفخر أمامنا. يهتم بأن يمنح ابنه في كل مرة نزوره فيها؛ الفرصة للحديث عن البرامج التدريبية والعمليات المعقدة التي أجراها واجتازها بكفاءة وسلاسة وذكاء. 
كنا نفغر أفواهنا صغارا ونحن نستمع إلى هذه الأحاديث. كان يحظى الدكتور اليافع "فهد" بحظوة عند أبيه؛ انتقلت إلينا جميعا.
تجاوز كل أترابه وأقرانه في نيل التقدير من الكبير والصغير. أصبح قدوة لنا جميعا. كلنا نريد أن نصبح دكاترة مثله، لنحصل على ما حصل عليه من تقدير واحترام.
لا شك أن هذا الاحترام العارم له تولد إثر تفوقه العلمي. لكن هناك نقطة مفصلية أسهمت في نيله ذلك الاهتمام والسحر والبريق السخي؛ إنها فخر أبيه الناصع والجلي به. 
لقد كان يشيد به على رؤوس الأشهاد بحماس وإصرار ووضوح، فيتسلل ذلك الشعور لا إراديا وينساب إلى أعماقنا، ويتراكم عميقا فتتشكل صورة ذهنية عظيمة بداخلنا عن "فهد".
تلك التجربة ذكرتني بأسلوب أحد أقاربي مع ابنته. يسوق التطبيقات الإلكترونية التي تنجزها بمتعة. يرسلها لنا عبر مجموعات "واتساب". وينصحنا بتحميلها معددا مناقبها ومزاياها. فيغمرنا شعور بالإعجاب بعمل "مريم" وإمكاناتها. 
استمعت إلى مداخلة "مريم" ذات مرة في أحد البرامج التلفزيونية فتملكني شعور غامر بالزهو بها.
تولدت لديها ثقة كبيرة انعكست على حضورها وتدفقها الذي أحدثه تشجيع ودعم والدها. 
فهد ومريم مثالان ساطعان للدور الحيوي الذي يستطيع أي أب وأي أم تقديمه لأبنائهما.
لا تكتفي بالإشادة بأولادك سرا وخلسة. افتخر وتفاخر بهم جهرا. فإذا حظوا بتقديرك، حظوا بتقديرنا جميعا.
تقتلني مشاهدة أب يقسو على أطفاله أمامي. يذبلون وينهارون. يكرهون الجميع وينزوون ويعتزلون.
الكلمة الحلوة أمام جمع تحولهم إلى نجوم تتلألأ وتلمع ولا تنطفئ.
لنسهم في ضخ هذا الضوء الساطع في بيوتنا. فما أحوجنا إلى نور يتلألأ ولا ينقطع.

إنشرها