العقوبات على إيران .. لماذا تناور أوروبا؟

|


"الاتفاق النووي مع إيران، لم ينه طموحاتها النووية"
جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي

ما زال النظام الإرهابي يختبر صواريخه، ويدعم الإرهاب بصورة فاضحة، ويعمل على مواصلة التوسع إقليميا. ولم يُظهر -لا في السابق ولا الآن- إشارة متواضعة واحدة تدل على أنه يرغب في أن تكون بلاده جزءا طبيعيا من المنظومتين الإقليمية والعالمية. يقوم بأبشع أنواع الممارسات ضد شعبه، ناهيك عن الخراب الذي أحدثه في هذا البلد أو ذاك. في عام فقط، اعتقلت أجهزة علي خامنئي الأمنية أكثر من 7000 معارض ومنشق وفق منظمة العفو الدولية، إلى جانب أولئك الذين قتلوا بالفعل أمام الكاميرات في المظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في أكثر من مدينة في إيران. وبالطبع، هذا لا يشمل الذين اختفوا في الأشهر الماضية في ظروف غامضة. كل هذا يجري وسط وصول الوضع الاقتصادي إلى حافة الهاوية بالفعل، ليس فقط بفعل العقوبات الأمريكية الصارمة الأخيرة؛ بل بسبب النهب المنهجي لمقدرات الشعب الإيراني كله.
وسط هذا المشهد الرهيب والحقائق الحاضرة على الساحة، لا تزال أوروبا تعاند في أن تتخذ موقفا أكثر صرامة حيال هذا النظام الإرهابي. ليس مطلوبا منها أن تقف إلى جوار الولايات المتحدة في هذا الشأن، يكفي عليها مراجعة هذه الحقائق، لكي تفكر قليلا في مسألة تعاطيها مع طهران. أثبتت الأحداث التي مرت خلال أربعة عقود، أن "بلاهة" أوروبا في احتواء النظام الإيراني تحولت إلى مسخرة سياسية. فهذا النظام لم يضرب أي محاولة للتصالح معه فقط، بل استغل هذه المحاولات لتدعيم استراتيجية الخراب التي يتبعها منذ استيلائه على السلطة. لينظر السياسيون الأوروبيون إلى ما حدث في "الأمس"، عندما أفرج باراك أوباما عن الأموال الإيرانية المجمدة، وسمح الاتفاق النووي المهزوز بتدفق الأموال على النظام الإيراني. لم يستفد الإيرانيون بدولار واحد من هذه الأموال، بل ذهبت كلها لاستكمال استراتيجية الخراب هذه.
اليوم يخرج الأوروبيون بآلية لتسهيل التجارة مع إيران بعملات غير الدولار، هذه الآلية تقودها الحكومة الفرنسية، وتهدف بالدرجة الأولى إلى الالتفاف حول العقوبات الأمريكية الحالية، في حين يبدو واضحا أن الحوار الأوروبي - الأمريكي حول الموضوع الإيراني لم يعد موجودا على الساحة كما يجب، إلا إذا استثنينا تصريحات متقطعة من هذا الطرف أو ذاك، لا تصنع حتى عنوانا صحافيا يستحق الصدارة. تسعى أوروبا إلى تنفيذ آليتها هذه في غضون أيام، وقد أعلنت ذلك بالفعل، ما يعني أن كل الأطراف الأوروبية تدعمها، وهذا ليس غريبا. ففي العامين الماضيين، لم يحدث تباين حول إيران بين الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي. الكل اتفق على الوقوف ضد التوجه الأمريكي، خصوصا بعد الشريحة الثانية من العقوبات التي فرضتها واشنطن.
الآلية الأوروبية الجديدة لا يمكن أن تنفذ خلال أيام والغريب أن الأوروبيين يعرفون ذلك، لكن لا بأس من إطلاق الأبواق الإعلامية بين وقت وآخر. لن تنفذ هذه الآلية "فيما لو صمدت بالفعل" قبل أشهر من الآن، والسبب بسيط هو أن هناك أمورا فنية معقدة لا بد أن يتم التعامل معها، قبل أن تتحقق "التمنيات" الأوروبية. هم يسعون إلى إنشاء ما يمكن وصفه بـ"غرفة مقاصة" تسمح بدخول اليورو إلى إيران للاستفادة من مواردها النفطية، وبعد ذلك شراء منتجات أساسية أوروبية. إنها ببساطة أداة لتجاوز القيود المالية الأمريكية على طهران، ومن هذه القيود -كما هو معروف- منع المؤسسات المالية والمصارف من التعامل مع هذا البلد، تحت طائلة الغرامات "بل المحاكمات" الأمريكية. حدث ذلك في السابق، ولا شيء يمنع حدوثه اليوم.
تراجع إنتاج النفط الإيراني إلى النصف في الأشهر القليلة الماضية، وهذا الذي يتم إنتاجه حاليا يذهب في الواقع إلى ثماني دول استثنتها واشنطن من العقوبات فترة، واللافت أن بعض هذه الدول أسرع إلى التخلص من الروابط النفطية مع إيران في فترة قصيرة؛ خوفا من أي تصادم مع الولايات المتحدة في مرحلة لاحقة، ولكي تؤمن إمدادات بترولية أكثر استدامة وأمنا من مصادر أخرى، لكن هذا لا علاقة له بالآلية المالية الأوروبية الهادفة إلى تمويل نظام علي خامنئي، فأوروبا لا تزال ترى أن الاتفاق النووي الذي أبرمته مع أوباما هو الأفضل على الإطلاق، وأن إدارة دونالد ترمب ضربته بصورة خاطئة. لكنها -أي: أوروبا- لا تشير كثيرا إلى أن ترمب يدعو إلى اتفاق جديد يضم حقيقة عدم وصول نظام إرهابي إلى سلاح نووي.
هي حالة انفصام يعيشها الاتحاد الأوروبي حول هذا الأمر، فرغم اعترافه علنا بخطورة استراتيجية النظام الإيراني على الساحتين الإقليمية والدولية، إلا أنه يرى أنه يمكن ترويض هذا النظام. لا تهم التجارب السابقة التي أظهرت أنه نظام ليس قابلا للترويض؛ لأنه يعيش أوهاما إرهابية توسعية، وأحلاما مصابة بكل الأمراض المزمنة. "غرفة المقاصة" الأوروبية ليست أقل من عملية احتيال لإضافة يوم جديد إلى حياة نظام لا يعرف سوى الخراب.

إنشرها