الفقد الجميل

|

نربط سعادتنا بالأشياء التي نرغب في امتلاكها. ولكن هذا لا يكون دائما صحيحا؛ فأحيانا تكمن سعادتنا في فقدان أشياء نمتلكها.
قبل عدة سنوات اشتريت سيارة مستعملة كنت أحلم باقتنائها، وبعد أن امتلكتها حاصرتها المشاكل الفنية. كنت أشعر بسعادة قصيرة عندما أسير بها. ولكنني كنت أعاني تعاسة طويلة على أثر تنقلي كثيرا بين ورشة وأخرى بسبب أعطالها المزمنة. كانت السيارة تتوقف في الورشة أوقاتا طويلة أضعاف استخدامي لها.
عندما كنت أدخلها إلى الورشة في كل مرة كنت أنتظر تشخيص الميكانيكي، وأتساءل بيني وبين نفسي قبل أن يسمم يومي بالنتيجة الموحشة: كم ستبقى لديهم؛ أسبوعا أم شهرا؟ كم ستكلفني؟ هل سنعثر على قطعة الغيار عاجلا أم سننتظر طويلا كالعادة؟!
كانت معاناة أزلية. كلما هممت ببيعها أواجه مقاومة تصطخب في داخلي. تحاصرني ذاتي باحتمالات تربكني: كيف تفرط بها وأنت الذي حلمت طويلا بامتلاكها؟ أبعد أن خسرت كل هذه الأموال؛ هل من الحكمة خسارتها وخسارة ما تغرمت من أجلها؟ هل سأبيعها بمبلغ مجز؟ هل ستكون السيارة المقبلة أوفر حظا منها؟!
هذه الأشواك التي كانت تغرسها الاحتمالات في أحشائي، جعلتني أتردد في التفريط فيها، وأواصل الاحتفاظ بها.
في أحد الأيام وأنا أتبضع داخل أحد المحال التجارية أثار انتباهي صوت تصادم فظيع يأتينا من خارج المحل. هرعنا خارجا لنستطلع الأمر. فوجئنا أن إحدى السيارات انحرفت عن مسارها وارتطمت بسيارتي التي تهشمت بصورة شبه كاملة.
حمدت الله أنني لم أكن في داخلها.
لكن داهمتني حالة من الحزن إثر تحولها إلى حطام. وسرعان ما تجاوزت لحظات الوجع بعد أن جربت الحياة دونها. فلم يعد الشعور بالقلق يخامرني عند استقلالها خشية أن تتوقف فجأة أو تصدر أصواتا تثير مخاوفي.
هذه التجربة المريرة التي عشتها مع سيارتي التي قاتلت في سبيل امتلاكها ثم فقدتها عنوة، أعطتني درسا أن فقدان أشياء نملكها قد يمنحنا سكينة لا توفرها أشياء نرغب في امتلاكها.
علينا أن نتأمل في حياتنا، ونعمل على التخلي عن أشياء قد يكون وجودها في محيطنا مصدرا لتعاستنا.
ينبغي أن نفعل ذلك بالحماسة ذاتها والجدية التي نبذلها في سبيل امتلاك أشياء جديدة.
فقد أشياء أحيانا قد يكون أفضل من امتلاكها.

إنشرها