بداية جديدة للتمويل العالمي «3 من 3»

|

خفضت مصارف هولندا وفرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة بالمثل أعمالها الأجنبية. وكان حجم عمليات المصارف الأمريكية على الصعيد الدولي أقل من نظيراتها الأوروبية؛ نظرا لحجم السوق المحلية الضخم، ومع ذلك خفضت بعض المصارف حجم أعمالها؛ حيث كانت لمجموعة سيتي جروب عمليات مصرفية مرتبطة بسوق التجزئة في 50 بلدا عام 2007، وأصبح هذا الرقم 19 الآن. وفي حين انسحبت المصارف الأوروبية والأمريكية إلى أسواقها المحلية، توسعت المصارف في المناطق الأخرى خارجيا، على الرغم من أنه ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان هذا التوسع سيكون مربحا أو قابلا للاستمرار. وتحتفظ المصارف الكندية الأربعة الكبيرة بنصف أصولها الآن خارج كندا، خاصة في الولايات المتحدة، وتوسعت المصارف اليابانية خارجيا أيضا، كما أن ما يطلق عليها المصارف الصينية الأربعة الكبيرة وسعت بسرعة إقراضها الخارجي، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى تمويل مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في الخارج التابعة للشركات الصينية.
علينا ألا نحزن من إعادة مواءمة الخدمات المصرفية عبر الحدود؛ فالذروة الهشة التي بلغتها التدفقات الرأسمالية العالمية في السنوات التي سبقت الأزمة ليست قاعدة معيارية مناسبة يمكن استخدامها للحكم على حالة العولمة المالية، ولا يوجد توافق في الآراء على المستوى الأمثل للتدفقات الرأسمالية، ولكن هناك اليوم أدلة قليلة على نقص التدفقات الرأسمالية المتجهة إلى الاقتصادات النامية أو المتقدمة.
وبدلا من الإشارة إلى نهاية العولمة المالية، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى ظهور نسخة أكثر استقرارا وقدرة على الصمود. ولا تزال الأسواق المالية حول العالم مترابطة للغاية. وعلى الرغم من أن التدفقات السنوية من رأس المال الجديد تراجعت تراجعا كبيرا، فقد استمر نمو رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي وحوافظ حصص الملكية وحوافظ السندات منذ الأزمة، وإن كان بشكل أبطأ بكثير من السنوات التي سبقت الأزمة. وعلى الصعيد العالمي، يتملك المستثمرون الأجانب 27 في المائة من حصص الملكية حول العالم مقارنة بـ17 في المائة عام 2000. وفي أسواق السندات العالمية، كان المستثمرون الأجانب يمتلكون 31 في المائة من السندات عام 2016 مقارنة بـ18 في المائة عام 2000. ويُعد عنصر الإقراض والاستثمارات الأخرى، العنصر الوحيد من أرصدة الأصول والخصوم الاستثمارية الأجنبية الذي انخفض منذ الأزمة.
وهناك ثلاثة أسباب تشير إلى أن مستقبل العولمة المالية يمكن أن يكون أكثر استقرارا من الماضي، على الأقل على المدى المتوسط.
أولا، تغير مزيج التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود بشكل كبير، وبطرق ينبغي أن تؤدي إلى الاستقرار. فمنذ الأزمة، شكل الاستثمار الأجنبي المباشر 54 في المائة من التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود، مرتفعا من 26 في المائة قبل عام 2007، ونظرا إلى الحقائق الجديدة في تنظيم المصارف، والتدقيق من جانب حاملي الأسهم، من غير المرجح أن يعود حجم الإقراض العابر للحدود إلى مستويات ما قبل الأزمة في المستقبل القريب. وسيعزز هذا التحول نحو الاستثمار الأجنبي المباشر الاستقرارَ في التدفقات المالية العابرة للحدود. ونظرا لأن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل الاستراتيجيات طويلة الأجل للشركات فيما يتعلق بأثرها العالمي، فإنه يُعد أقل نوع من التدفقات الرأسمالية تقلبا. ومشتريات الحافظة من حصص الملكية والسندات أقل تقلبا أيضا من الإقراض العابر للحدود، وشكلت هذه المشتريات أكثر من 40 في المائة من إجمالي التدفقات الرأسمالية منذ الأزمة. والإقراض عبر الحدود، ولاسيما الإقراض قصير الأجل، أكثر أنواع التدفقات الرأسمالية تقلبا، وينبغي أن يحظى تراجعه بالترحيب.
والمصدر الثاني المحتمل لمزيد من الاستقرار في العولمة المالية هو النمو المطرد لتحويلات العاملين إلى بلدانهم الأم. وهذه التحويلات أكثر استقرارا من الاستثمار الأجنبي المباشر نفسه، وزادت بفضل زيادة الهجرة العالمية. ولا تُنسب تحويلات العاملين على أنها تدفقات رأسمالية في ميزان المدفوعات الوطني، وكانت قليلة جدا في الماضي، ولكنها أصبحت اليوم مصدرا كبيرا للتمويل في الاقتصادات النامية. وبحلول عام 2016، بلغت تحويلات العاملين إلى هذه الاقتصادات ما مجموعه 480 مليار دولار تقريبا، مقارنة بمجرد 82 مليار دولار عام 2000، و275 مليار دولار عام 2007، وهي تعادل الآن 60 في المائة من التدفقات الرأسمالية الخاصة "الاستثمار الأجنبي المباشر، وتدفقات حوافظ حصص الملكية، والدين، والإقراض عبر الحدود"، وتبلغ ثلاث مرات حجم المساعدة الإنمائية الرسمية. ومن المرجح أن تواصل تحويلات العاملين النمو مع استمرار الزيادة في الهجرة العالمية، وتطور التكنولوجيات، مثل: المدفوعات باستخدام سلسلة التجمع، والدفع عبر الهاتف النقال، التي تجعل التحويلات أكثر سهولة وأرخص سعرا. والمصدر الثالث المحتمل لمزيد من الاستقرار في التمويل العالمي هو تقلص وفرة المدخرات العالمية التي ظهرت قبل الأزمة. وتقلصت الاختلالات العالمية في الحسابات المالية والرأسمالية من 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي عام 2007 إلى 1.7 في المائة عام 2016، ويؤدي ذلك إلى انخفاض احتمالات أن تسفر إزالة هذه الاختلالات فجأة عن حدوث تقلبات في أسعار الصرف وأزمات في ميزان المدفوعات في بعض البلدان. إضافة إلى ذلك، ينتشر اليوم العجز والفوائض في عدد أكبر من البلدان، وانحسرت الاختلالات الكبيرة في الصين والولايات المتحدة، وهناك نقاش الآن بين الاقتصاديين حول إمكانية استمرار الاختلالات العالمية الأصغر حجما. لا يوجد في أي من هذه التطورات ما يدعو إلى الشعور بالرضا، فلا تزال التدفقات الرأسمالية الإجمالية متقلبة، ومن المحتمل أن تؤدي إلى تقلبات في أسعار الصرف للاقتصادات النامية، ولا محالة من أن يأتي النظام المالي العالمي المتشابك بإحكام بمخاطر حدوث أزمات وعدوى. وفقاعات الأصول والانهيارات قديمة مثل الأسواق نفسها.
وإذا كنا قد تعلمنا أي شيء من الماضي فهو أن الاستقرار يتحقق بصعوبة، ويفقد بسهولة بالغة. وفي الوقت الذي بدأنا فيه نرسم أنماطا جديدة للاندماج المالي العالمي بعد التغير العنيف الذي حدث في السنوات العشر الماضية، فهناك إعاقة جديدة -ومغيرة لقواعد اللعبة- آتية في شكل تمويل رقمي. فمن المرجح أن تؤدي زيادة انتشار استخدام التكنولوجيات المالية الجديدة، مثل: المنصات الرقمية، وسلسلة التجميع، والتعلم الآلي إلى توسيع المشاركة في التمويل العابر للحدود، وتسريع التدفقات الرأسمالية. وستكون هناك فرص هائلة، ولكن ستكون هناك أيضا منافسة شرسة، ولا يعرف أحد منا حتى الآن ما المخاطر الجديدة التي يمكن أن تنشأ نتيجة التدفقات الأسرع لرأس المال حول العالم، ولكن من المهم جدا توخي اليقظة والانتباه جيدا للتهديد اللاحق الذي سيتعرض له الاستقرار.

إنشرها