في بنجلادش .. حرب الأرملتين مستمرة

|


كما جرت العادة في كل الانتخابات العامة السابقة التي شهدتها بنجلادش منذ اغتيال مؤسسها الشيخ مجيب الرحمن، جرت الانتخابات الأخيرة أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وسط ظروف أمنية مشددة، تجلت في نشر أكثر من 60 ألف عنصر أمني في طول البلاد وعرضها، ولاسيما في العاصمة دكا وضواحيها؛ لحراسة نحو 40 ألف مركز اقتراع، كما شهدت هذه الانتخابات تقييدا رسميا لوسائل التواصل الاجتماعي؛ بحجة منع تداول الشائعات المغرضة المؤثرة في سير العملية الانتخابية، مثلما قيل.
النتائج جاءت كما كان متوقعا، وهي حصول حزب رابطة عوامي بقيادة الشيخة حسينة واجد رئيسة الوزراء الحالية "73 عاما" على أغلبية كاسحة من المقاعد بلغت 288 مقعدا من مقاعد البرلمان المكون من 300 مقعد. وبهذه النتيجة تبقى ابنة بطل الاستقلال ومؤسس الدولة في الحكم فترة ثالثة، بل تدخل تاريخ بلادها كأطول من جلست في السلطة، وستحكم براحة ودون صداع، وتنفذ ما تشاء من برامج، وتمرر ما ترغب من قوانين وتشريعات، طالما أن الثقل البرلماني لائتلاف أحزاب المعارضة والمستقلين وقوى الإسلام السياسي ضعيف ولا يعتد به.
بعض المراقبين يعزون فوز الشيخة حسينة الكاسح إلى معدلات التنمية، التي تمتعت بها بنجلادش خلال سنوات حكمها الأخيرة، التي وصلت إلى 6 في المائة، ناهيك عن شعبيتها التي ترسخت من خلال تقديمها المأوى والحماية للاجئي الروهينجيا البورميين، الذين تعرضوا للعنف والتهجير على يد حكومة رانجون أمام مرأى ومسمع العالم، هذا علاوة على تحقيق البلاد طفرة مذهلة في صادراتها من الأقمشة والملابس الجاهزة، وبما انعكس إيجابا على مستويات معيشة الملايين من المواطنين البالغ تعدادهم 160 مليون نسمة.
غير أن هناك من يـُرجع فوزها إلى سياستها الديكتاتورية لجهة تكميم أفواه المعارضة، ممثلة في الأحزاب الإسلامية الأصولية، وحزب بنجلادش الوطني BNP، الذي تقضي مؤسسته وزعيمته السابقة خالدة ضياء، رئيسة الوزراء السابقة "73 عاما" حكما بالسجن 17 عاما منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2018 بتهمة الفساد والتكسب غير المشروع؛ حيث "ذكرت الصحافة العالمية أن ثروتها عام 2009 بلغت نحو 200 مليون دولار"، علما بأن حزب بنجلادش الوطني امتنع عن المشاركة في انتخابات 2014 العامة؛ بحجة أن المناخ السائد لا يسمح بإجرائها بشفافية وحياد، طالما أن سيف حكومة حسينة واجد مسلط على رقبة أنصاره ومحاربيه. غير أن الحزب نفسه عاد وقرر المشاركة في الانتخابات الأخيرة تحت قيادة المحامي كمال حسين زعيمه الجديد، الذي وضع دستور البلاد، وكان في يوم من الأيام عضوا في حزب رابطة عوامي، وحينما خسر BNP أخيرا في مواجهة الحزب الحاكم، تحجج بحدوث عمليات تزوير واسعة، وترهيب مرشحيه كي ينسحبوا من السباق، وتخويف أنصاره كي يمتنعوا عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، مطالبا بإعادة التصويت فيما لا يقل عن 221 دائرة تحت إشراف حكومة انتقالية محايدة.
صحيح أن الانتخابات الأخيرة شابتها الخروقات وعمليات العنف والخطف وإطلاق النار من قبل الشرطة بإجماع المراقبين المحليين والأجانب، لكن متى كانت الانتخابات في بنجلادش خالية من مثل هذه المظاهر؟
علينا أن نتذكر أن حزب بنجلادش الوطني، حينما كان في السلطة في دكا، ارتكب الأفعال ذاتها في حق أنصار حزب رابطة عوامي؛ للحيلولة دون فوز الأخير بعدد كبير من المقاعد يؤهله للحكم. وتكرر هذا الأمر كلما كانت خالدة ضياء في السلطة والشيخة حسينة واجد خارجها، والعكس بالعكس، إلى درجة أن أطلق على هذه المسرحية الصراع الأبدي بين أرملتين تكن إحداهما للأخرى البغض، وهي المسرحية المستمرة منذ عودة الديمقراطية إلى بنجلادش عام 1991؛ أي بعد عام واحد من الإطاحة، في احتجاجات شعبية، بالرئيس العسكري الجنرال حسين محمد إرشاد، الذي كان قد تسلم مقاليد الأمور عبر انقلاب نفذه عام 1983، بعد وقت قصير من مجيء الجنرال ضياء الرحمن زوج خالدة ضياء إلى السلطة في الانقلاب الذي أعقب المجزرة الدموية البشعة في 15 آب (أغسطس) 1975، التي قتل فيها الشيخ مجيب الرحمن أو "البانجو باندو" (لقب يعني أبو الأمة وصديق البنجال) مع كل أفراد أسرته باستثناء ابنتيه الشيخة حسينة والشيخة ريحانة اللتين كانتا آنذاك مسافرتين في رحلة إلى ألمانيا الغربية. ويبدو من قراءة المشهد الحالي والمشاهد السابقة، أن المسرحية ستستمر دون نهاية ما بقيت الأرملتان موجودتين على مسرح الحياة.
أحد المعلقين اختزل الوضع فقال إن بنجلادش، كونها ظلت منذ عام تقسيم الهند البريطانية (1947) حتى عام 1971، جناحا شرقيا للدولة الباكستانية، ورثت من الأخيرة ليست فقط الانقلابات العسكرية المتعاقبة، وإنما أيضا الصراع السياسي، وظاهرة عدم الاستقرار المغلف في أغلب الأحيان بالعنف.

إنشرها