نفط إيران بـ «القطارة»

|


"نريد أن نسمع أصوات الشعب الإيراني، وأن يدرك أننا نريد له الحياة الكريمة"
مايك بومبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة

فجأة استيقظ الأوروبيون من سكرات "حبهم" للنظام الإيراني. كيف؟ بعثوا برسائل رسمية واضحة إلى هذا النظام، يقولون فيها: "آن الأوان لكي تغير سلوكك"، وأضافوا بصورة دبلوماسية "أنهم ضاقوا ذرعا بهذه السلوكيات"!، وأنهم لا يستطيعون الوقوف إلى جانب علي خامنئي وأتباعه إلى ما لا نهاية. وهم بذلك، أحدثوا - "ولو نظريا" - تحولا لافتا في سياستهم حيال هذا النظام الذي لا يزال مصرا على معاندة العالم، والمضي قدما في استفزاز المجتمع الدولي، بصرف النظر عن الحالة المزرية التي تعيشها البلاد جراء مصائب النظام المذكور، والعقوبات القوية التي فرضتها الولايات المتحدة عليه. وهذه العقوبات أحدثت بالفعل موجة خوف في أوساط الجهات التي ترغب حتى الآن في مواصلة التعامل مع طهران، بما فيها الاتحاد الأوروبي، الذي يستخدم "اللطافة" البائسة في علاقاته مع إيران.
لنترك الأوروبيين جانبا الآن، فهم سيسمعون في النهاية صدى المنطق في هذه المسألة، ولندعهم غارقين في قضية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي التي تجري من سيئ إلى أسوأ، ومن إخفاق إلى آخر. الولايات المتحدة قالتها أخيرا وبصورة رسمية: "لا إعفاءات أخرى من العقوبات المفروضة على النفط الإيراني"، كما أن واشنطن ماضية -"كما هو مؤكد"- في الخنق الاقتصادي لنظام خامنئي عن طريق النفط، وهذا الأخير هو السلعة الوحيدة تقريبا التي توفر عوائد مالية لهذا النظام. فالخنق النفطي الشامل يعني إحكام القبضة على رقبة المرشد الإيراني، انتظارا للفظ أنفاسه الأخيرة. والولايات المتحدة تؤكد في كل المناسبات، أن هذه العقوبات ليست ضد الشعب الإيراني، فهذه الأخيرة أول وأكثر الدول المتضررة من نظام يعيش أوهاما توسعية بأدوات إرهابية، وهو في الواقع لا يجيد العمل إلا بهذه الأدوات.
80 في المائة من عائدات إيران تأتي من الصادرات النفطية، ولأنها خضعت لنظام لا يحفل بازدهار بلده وشعبه، لم يعمل هذا النظام على أي مشروع يحقق الاستدامة الاقتصادية، بل وصل تخريبه إلى درجة أنه لم يستثمر حتى في الآبار النفطية، ما جعل بعضها خارج العمل، أو أقل قدرة على الإنتاج. لماذا؟ لأنه واصل استراتيجيته بتحويل الأموال إلى المناطق التي تنتج إرهابا وخرابا وظلما واحتلالا. الأمريكيون لم يغلقوا الباب تماما في وجه خامنئي. ونقول خامنئي دائما؛ لأن حكوماته لا قيمة حقيقية لها في ظله، ورؤساءه ليسوا أكثر من لون تجميلي إضافي للوحة بائسة، يتطلبها المشهد العام. واشنطن تريد اتفاقا نوويا جديدا مع طهران، لا يشبه ذاك الذي توصل إليه باراك أوباما معها، ووفر لخامنئي مساحة واسعة ليتنفس إرهابه، وينفذه هنا وهناك.
لا إعفاءات من العقوبات النفطية الأمريكية. الأمر انتهى، وعلى الجهات التي لا تزال تأمل في معاملة خاصة من واشنطن أن تعترف بالحقيقة. وبالفعل أقدمت بعض الدول على خفض وارداتها من النفط الإيراني في الفترة الماضية بما فيها الصين. فالغاية تبقى هي حرمان النظام من الأموال، والتنفيذ جار بأقوى الأدوات، وهذه الأدوات معروفة للجميع: الامتثال لقوانين العقوبات الأمريكية، أو مواجهة غرامات وعقوبات مختلفة. وفي الشهرين الماضيين، تراجعت بالفعل صادرات إيران النفطية إلى مستويات متدنية، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن هذه الصادرات تذهب لدول تم استثناؤها حتى الآن من قبل الولايات المتحدة، ولكن ليس لفترة طويلة. صار العثور على مشترين لهذا النفط شبه مستحيل، لو استثنينا بالطبع بعض الكميات التي يتم تهريبها لهذه الجهة أو تلك.
واللافت أنه على الرغم من أن واشنطن لم تطلب من بعض الدول وقف مشروع مد خط أنابيب الغاز مع إيران في اتجاه ساحل عُمان، إلا أن بعض الشركاء في المشروع انسحبوا بالفعل منه، خوفا من الغضب الأمريكي. وفي ظل الإعفاءات الأمريكية لثماني دول تراجعت الصادرات الإيرانية بمعدل 60 في المائة وفقا لجداول التصدير، أو انخفضت بمقدار 1.1 مليون برميل يوميا، وهي نسبة كبيرة جدا لبلد ليست لديه مداخيل مالية إلا من هذه السلعة تقريبا. وبالطبع التراجع يشمل كل المنتجات النفطية، وليس فقط النفط الخام. هذا هول الوضع جراء آثار الموجة الأولى من العقوبات الأمريكية التي فرضت منتصف العام الماضي، وتلتها أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وآثار الموجة الثانية لم تكتمل حلقاتها بعد.
وضع مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي، إيران ضمن "مجموعة دول الذئاب المارقة"، وهي المرادف لمجموعة أطلقتها واشنطن في القرن الماضي تحت اسم "الدول المارقة". وسيتواصل التعامل مع إيران كدولة مارقة، طالما بقيت سلوكياتها الإرهابية حاضرة، بصرف النظر عما إذا ضاق الأوروبيون ذرعا بطهران أم لا. حتى لو ظلوا على العهد "بحبها"، فلن يعدل ذلك من فداحة الحالة في هذا البلد.

إنشرها