العفو عند المقدرة

|

لعل هذه من أشهر العبارات التي كانت تنتشر في زمن مضى لوصف التعامل الأريحي والإنساني بين الناس. اختفاء هذه العبارة من التداول في السنوات الأخيرة يدفع للحيرة، ولكنه يصف بطريقة ما اختلاف العلاقات الاجتماعية وابتعاد كثيرين عن روح التسامح التي ميزت مجتمعاتنا العربية ــ بالذات ــ قرونا طويلة.
كانت كلمة "تكفى" تعني الكثير لدى الناس، وقل من لا يلبي طلب من يأتيه لاجئا أو لائذا من مصيبة ارتكبها أو حلت به. لم يكن العربي يستطيع أن يرفض من يلجأ إليه لأنها كانت من خوارم المروءة، بل إنها تترك على صاحبها طبعة من السلبية، وتؤدي لرفض مجتمعي يتنامى مع الوقت. هل كان الناس يخشون الرفض أم إنهم يتربون على نجدة المحتاج، تلك قضية مهمة أخرى.
قدمت بهذا الرصد البسيط لأتحدث عما تعانيه المجتمعات اليوم من ضغوط على المخطئ تجعله في خانة المستغل عندما يقع في جريمة بقصد أو دون قصد. أصبحت الديات والمطالبات بأحجامها الهائلة من ضمن المقبول في مجتمع كان يعتبرها منقصة. كيف تحولنا إلى هذه الحال الخطيرة؟ أمر لا يمكن أن نبرره لمن عاشوا في هذه الأرض التي تبنت "الفزعة" والغوث كجزء من تركيبتها المجتمعية للتعامل مع قسوة الأرض والأجواء. هو أمر لا بد أن نخرج منه ونتخلص من تبعاته التي تتضخم كل يوم دون أن تكون هناك حدود للطمع برغم عدم مناسبته للمنطق والعقل.
يأتي في الأثناء رجل من أقصى الأرض ويقول عفوت عنك يا من قتلت شقيقي لوجه الله تعالى ليعيد الحياة للعروبة والنجدة والعفو. سلوك عظيم فرح به كل من سمع عنه، وهو سلوك ينم عن استمرار الخلق العربي القويم في المجتمعات، والحاجة إلى تشجيعه ودعمه ليعود عادة للمجتمع ورافدا للتعاون والرأفة والعفو الذي هو فعلا من شيم الكرام.
هو أيضا حافز لكل من يعملون في مجال إصلاح ذات البين والتوسط بين الخصوم ليجعلوا هذا وأمثاله نصب أعينهم وهم ينادون بالعفو ويطالبون بتجاوز الماضي. كل من يحاول أن يصلح بين الناس مأجور، لكن الذي يضع من نفسه مثالا يتجاوز كل ذلك ليكون قدوة وعلما من أعلام المحافظة على روح هذه الأرض اليعربية.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها