المنشآت الصغيرة .. لا للحاضنات ونعم للتمويل السهل

|


في مقال سابق، كنت قد طالبت بعدم دعم المنشآت الصغيرة، خاصة من خلال الحاضنات. ولعلي لم أستطع خلال ذلك المقال أن أصل بالقارئ الكريم إلى مقصود المقال. بداية، وكما هو معروف، فإن هناك مدرستين في الاقتصاد بشأن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي: الأولى ترى حرية الأسواق، وأن يكون تدخل الدولة محدودا جدا، وترى هذه المدرسة أن ماكينة الاقتصاد حتمية بطبعها، وهى تستطيع معالجة نفسها دون تدخل الإنسان مباشرة، كما ترى أن تدخل الدول بأي شكل تنقصه الكفاءة الطبيعية، ذلك أن الدولة "كأشخاص" يلازمها كثير من الاعتلالات التي ترتبط بتعارض المصالح، وهي أيضا اعتلالات حتمية، ولذلك ترى هذه المدرسة أن السوق الحرة قادرة على إصلاح الخلل، وأنا شخصيا أميل إلى هذه المدرسة، لكن المشكلة أن مريدي هذه النظرية لا يتحملون قسوتها، وللحقيقة لا أحد يتحمل ذلك. آليات الأسواق جميلة ورائعة عندما تكون الموجة الاقتصادية مزدهرة، وهنا يطالب الجميع بالحرية، لكن عندما تكون الموجة عكسية، والاقتصاد يتجه إلى الكساد، فلا أحد يستطيع تحمل ظواهر الإفلاس التي تعم الأسواق، ولا يمكن لأحد -من جانب نفسي بحت- تحمل مظاهر الفقر والبؤس، رغم أن هذه المظاهر طبيعية في حرية الأسواق، ففي فترات الركود الصعبة والتصحيحية يجد البعض قدرة على البقاء، هؤلاء هم الأصلح والأقدر على قيادة الاقتصاد في الموجات الصاعدة.
المدرسة التي ترى تدخل الدولة في الاقتصاد، وأن كفاءة الأسواق مشكوك فيها، ترى أيضا أن الأسواق تتحيز في الاستثمار، ما يعطل كثيرا من عوامل الإنتاج في الاقتصاد، وإذا لم تتدخل الدولة في توجيه الاقتصاد، فإن كثيرا من المزايا النسبية سيظل معطلا، ولعلي هنا أشير إلى المشاريع الكبيرة التي يقوم بها صندوق الاستثمارات العامة كمثال على عدم كفاءة الأسواق؛ حيث إن كثيرا من المزايا النسبية للاقتصاد السعودي لم يتم استغلالها بعد من قِبل القطاع الخاص، ولا أحد يعتقد أن هناك من سيقرر الاستثمار في "القدية" أو "نيوم" أو مشاريع البحر الأحمر وغيرها، إذا لم تقم الدولة بذلك، لكن هذه النظرية لا تفسر كثيرا، وأهمها حجم التدخل الحكومي وأين، والتحيز وتعارض المصالح.
أين أضع المنشآت الصغيرة بين كل هذا التنظير؟ سأعود إلى وجهة نظري الأساسية بأن الإفلاس من قواعد السوق الحتمية، ولا أحد يستطيع منعه، حتى الحكومات بكل قوتها ومتانتها لا تستطيع تجنب مخاطر الإفلاس، أو أن تحمي نفسها منها.
إنها آلية طبيعية أوجدها الله في الاقتصاد الإنساني، فالإفلاس أداة الأسواق الطبيعة في تنقية السوق، وهي نظام "فلترة"؛ لذا لابد من تركها تعمل، وألا نتدخل في منعها أو نتحايل عليها، وهذا على الأصعدة كافة. تعتمد المنشآت الصغيرة على الابتكار أو التقليد، ولا أعتقد أن الابتكار وحده قادر على بناء منظومة المنشآت الصغيرة في الاقتصاد ودعمها، بل لابد من التقليد الذي يعني منافسة المنشآت الصغيرة على حصص السوق، وهنا لابد في لحظة أن تعمل آلية الإفلاس على تصحيح الحصص، وفتح أسواق جديدة، وتحفيز الابتكار من أجل البقاء، وإذا تم تعطيل هذه الآلية من خلال تدخل الحكومة بالدعم، فستفشل الأسواق، وبالتالي يتحطم الابتكار، وفي النهاية لم ينجح أحد. ولذا أرفض الدعم بمعنى الدعم، الذي يحمي من آليات الإفلاس، ويجب إيقاف الحاضنات، وترك المنافسة تعمل بقوة في الأسواق.
لكن إذا قلت بإيقاف الدعم، فأين يجد المبادرون ورواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة نقدا من أجل الدخول للأسواق أو البقاء فيها؟
أقول هنا: يجب أن تتدخل الدولة؛ لتجبر المصارف على التمويل السهل، بضمانات المشروع نفسه، وفقط المشروع نفسه، هنا أكون وسطا بين النظريتين. لقد رأينا كيف تعمل المصارف على خلخلة الأسواق والتدخل في مسارها، ونتذكر هنا تدخلا في أسواق السيارات، من خلال ابتكار منتجات التمويل والتأجير، وهذا أوجد طلبا قويا على السيارات في فترات مضت، وانتعشت الأسواق في هذا القطاع بشكل غير مسبوق، وتكرر الأمر مع الأسهم حتى انهارت، ثم العقار بشكل مبالغ فيه حتى غص بالتمويل، ولم يعد هناك تناسب بين عوائد العقار وأسعار الفائدة على تمويله، وإذا كانت المصارف قادرة على كل هذا التدخل، فلماذا لا تتدخل من أجل المنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ لإيجاد طلب فعال على هذا القطاع، وتشجع الاستحواذ والمبادرات من خلال الوصول السهل للتمويل؟ نعم هنا مخاطرة، لكني أجزم بأنها أقل بكثير -خاصة مع آليات الإفلاس الطبيعية في الأسواق- من مخاطر تمويل الأسهم والعقار، وأجزم بأن مثل هذا التوجه سيحفز الابتكار والتوظيف بشكل لم يسبق له مثيل، فقط نحتاج إلى آليات واضحة وعقود سهلة وتمويل ميسر.

إنشرها