FINANCIAL TIMES

استقالة رئيس «بنك العالم».. هل تمزق اتفاق «الجنتلمان» الأمريكي- الأوروبي؟

بعد يوم من إعلانه فجأة تخليه عن رئاسة البنك الدولي، من أجل العمل لدى شركة أسهم خاصة في بورصة وول ستريت في نيويورك، ظهر جيم يونج كيم أمام الموظفين في البنك العالمي، لتقديم تفسير لذلك.
في القاعة المكتظة الداخلية ذات السقف المفتوح في المقر الرئيسي للبنك الدولي، على بعد مبنيين لا أكثر من البيت الأبيض، قال جيم إنه سيغادر قبل ثلاث سنوات من الموعد المقرر له، لشغل وظيفة مربحة تبدو أنها شبيهة بدوره في البنك الدولي – حيث سيساعد القطاع الخاص على تمويل مشاريع البنية التحتية في الأسواق الناشئة.
وقال "أتيحت لي هذه الفرصة، كما تعلمون، ومن الصعب جدا التنبؤ بموعد هذه الأشياء في حياتك".
الأكاديمي والطبيب العامل في القطاع الصحي سابقا البالغ من العمر 59 عاما، غادر مسرعا بعد ذلك لأن عليه إجراء "الكثير من المكالمات الهاتفية"، ما جعل كبار المسؤولين الآخرين يتلقون الأسئلة المتبقية، ويحاولون الإجابة عليها.
كثير من أفراد الجمهور- الذي كان جيم قد اشتبك معهم مرارا وتكرارا منذ توليه مقاليد الأمور في البنك الدولي، كأحد المعينين من قبل باراك أوباما في عام 2012 - غادروا غير راضين. أحد موظفي البنك الدولي قائل بأسى: "قاعة المدينة لم توضح أي شيء".
خروج جيم الطوعي والمفاجئ لم يؤد إلى إثارة الارتباك والإحباط للعاملين في البنك الدولي فحسب، بل أثار أسئلة عميقة حول القيادة والدور المستقبلي لمؤسسة هي محور النظام الاقتصادي الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة.

خلفية تاريخية
أنشئ البنك الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية في وقت واحد مع صندوق النقد الدولي، على أساس اتفاقية بريتون وودز للمساعدة في الحد من الفقر في العالم، وكان نفوذه يتراجع في الوقت، الذي كان يواجه فيه منافسة متزايدة من مصادر رأس المال الخاصة، ومن بنوك التنمية الإقليمية، والمزيد من الإقراض الثنائي الأقوى بكثير الآتي من الصين، والموجه تحديدا إلى عدد كبير من البلدان الفقيرة.
وفي حين أقرض البنك الدولي 64 مليار دولار في السنة المالية 2018، إلا أن بعض التقديرات تضع رقم القروض الصينية في الخارج عند أرقام تبلغ مضاعفات عدة لذلك الرقم.
علاوة على ذلك، بما أن الولايات المتحدة تقود البنك الدولي تقليديا، فإنه يواجه الآن احتمال- في وقت أقرب بكثير مما قد يتصوره من هم داخل البنك الدولي– إشغاله من قبل رئيس جديد يختاره دونالد ترمب، الذي يبدو متشككا علنا في المؤسسات المتعددة الأطراف، بل ودورها ويمكن أن يسعى إلى إعادة تشكيل الطريقة التي تعمل بها.
يمكن لرئيس البنك الدولي الذي تختاره إدارة ترمب، على وجه الخصوص، أن يعمل جاهدا على محاولة الحد من تمويله للمشروعات التي تهدف إلى معالجة تغير المناخ، وكذلك أي عمل ينظر إليه على أنه يدعم البنية التحتية الصينية، من خلال مبادرة الحزام والطريق - وقد يصر على تصحيحات كبيرة أخرى على ذلك المسار كذلك.
يقول أحد كبار المسؤولين السابقين في البنك الدولي "أعتقد بصراحة الآن أن الناس في البنك قلقون بشأن كيفية حماية هذه المؤسسة".
من المحتمل أن يقود شخص أمريكي البنك الدولي على الأرجح، لكن ذلك ليس بالأمر المسلم به (هناك اتفاق جنتلمان منذ إنشاء البنك والصندوق، يحتكر بموجبه الأمريكيون رئاسة البنك الدولي مقابل احتكار الأوروبيين إدارة صندوق النقد الدولي، منذ إطلاق المؤسستين)، عقب الحرب العالمية الثانية.
أطلق مجلس إدارة البنك الدولي عملية اختيار، متعهدا بأنه ينبغي أن يكون "منفتحا ومبنيا على أساس الجدارة، وشفافا" - ما يعني أن هذا لن يكون بالضرورة مرتبطا بالجنسية.
كان بعض المراقبين يأملون في أن يكون خروج جيم المبكر فرصة لأن يتجمع العالم حول مرشح بديل، وفي النهاية يكسر اتفاق التفاهم بين الأطراف، الذي يسمح للولايات المتحدة باختيار رئيس البنك الدولي والأوروبيين بإدارة صندوق النقد الدولي.

فاتورة باهظة لتخطي مرشح أمريكا
على أن آخرين يقولون إن هذا قد يكون نوعا من التمني. يقول ديفيد دولار، وهو مسؤول سابق بالبنك الدولي ومبعوث وزارة الخزانة الأمريكية إلى الصين، وهو يعمل الآن في معهد بروكينجز، إنه إذا كانت هناك محاولة من بلدان أخرى لمنع مرشح الولايات المتحدة من شغل المنصب، فإن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية، ولربما وخيمة.
ويقول "إنها لعبة معقدة للغاية. إحساسي الداخلي هو أن هناك احتمالية قوية للغاية أن تتم الموافقة على مرشح الولايات المتحدة. ذلك أن لدى العالم مصلحة في بقاء الولايات المتحدة مرتبطة بالبنك الدولي" في هذه الآونة، بالذات، خاصة في ظل ما ذكر من مواقف الرئيس الأمريكي تجاه المؤسسات الدولية متعددة الأطراف.
هناك أسماء محتملة تدور منذ الآن في أنحاء واشنطن لشغل منصب رئيس البنك الدولي خلفا لجيم، وتشمل ديفيد مالباس، وهو مسؤول مرموق حالي في وزارة الخزانة في الشؤون الدولية، ونيكي هيلي، المندوبة الأمريكية الدائمة السابقة لدى الأمم المتحدة، ومارك جرين، رئيس الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بل حتى إيفانكا ترمب، ابنة الرئيس.
وتقول متحدثة وزارة الخزانة إنها تلقت "عددا كبيرا من التوصيات للمرشحين الجيدين" وأنها "بدأت عملية المراجعة الداخلية" للاختيار.
مع ذلك، الأشخاص المطلعون على العملية يقولون إنه من الممكن أن تكون هناك مسابقة بالفعل.
ومن بين البدائل المحتملة في الأسواق الناشئة نغوزي أوكونجو إيويالا، وهي اقتصادية نيجيرية تحدت جيم على شغل المنصب في 2012، ودونالد كابيروكا، وهو اقتصادي رواندي كان يشغل منصب الرئيس السابق لبنك التنمية الإفريقي، وسري مولياني إندراواتي، وزيرة المالية الإندونيسية.
أيا كان الفائز، فسيتعين عليه التعامل مع إرث كيم الشائك. عندما انتزع من رئاسة كلية دارتموث في عام 2012 لقيادة البنك، لم يكن لدى هذا الأمريكي الكوري عرقيا، خبرة سابقة تذكر في مجال التمويل أو الخدمة العامة.
إلا أن جيم أغرق البنك في عملية تغيير هيكلية داخلية كبيرة للتخلص من "الصوامع والقواقع" داخل المؤسسة، وتشجيع مزيد من تبادل المعلومات.
على أن ذلك الجهد قوبل بالطبع بمعارضة كبيرة من كثير من المديرين المرموقين، الذين كانوا على رأس تلك الصوامع أو في قلب تلك القواقع، مشكلين ظاهرة مراكز القوى المعروفة في مجال البيروقراطية الدولية في المؤسسات متعددة الأطراف.
كان نتاج ذلك أن انخفضت المعنويات. يقول أحد كبار موظفي البنك الدولي: "عملية إعادة التنظيم الفاشلة كانت تلغى قطعة تلو الأخرى. على أن الجدران لا تزال قوية كما كانت في أي وقت، هذا إن لم تكن أقوى"، في دلالة على استمرار هيمنة مراكز القوى تلك، داخل مؤسسة البنك.
لقد أصبحت المقاومة ضد جيم داخل المنظمة قوية لدرجة أن رابطة الموظفين عارضت حملة إعادة انتخابه في 2016، بل إن أشخاصا مقربون من البنك زعموا أن بعض الموظفين استمروا في انتقاد جيم علانية بسبب أسلوبه الإداري وأفكاره بالنسبة للمنظمة. يقول الموظف الكبير "لقد كان الرجل انطوائيا، ولم ينخرط مع الآخرين، وكان غير مرئي إلى حد كبير".
كما انتهى الأمر ببعض قرارات جيم المتعلقة بالأفراد بكونها مثيرة للمشاكل. لقد غادر كبير الاقتصاديين السابق بول رومر العام الماضي، بعد 15 شهرا في الوظيفة عقب اشتباكات جيم مع الموظفين، حول القواعد والمنهجية في أبحاث وتقارير البنك الدولي.
ومع ذلك، وفي حين كان جيم يصنع أعداء داخليين، كان يحقق بعض الانتصارات المهمة خارجيا. أحدها هو تأمين تجديد موارد الأموال للاستثمارات في أفقر الاقتصادات النامية.
إنجازه الرئيس كان تأمين زيادة في رأس المال بقيمة 13 مليار دولار للبنك الدولي بعد مفاوضات صعبة مع إدارة ترمب، تضمنت قيودا على رواتب الموظفين، وساعده دعمه لصندوق تمكين المرأة، الذي دعمته السيدة ترمب، ما أسهم في كشف بعض المهارات الدبلوماسية المتمرسة لدى الرجل.

تقول جودي شيلتون، المديرة التنفيذية الأمريكية في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير "عندما أتت إدارة ترمب، كان الناس يتساءلون ما الذي تعنيه استراتيجية "أمريكا أولا" بالنسبة للبنك الدولي، وكان جيم يدرك ذلك بقوة.
على الفور عمل جيم على عقد صفقة مع إيفانكا ترمب .. وهكذا بات لدى جيم شريك مهم وقريب من دوائر الرئيس الأمريكي الضيقة والقريبة. وكان من رأيي أن هذا أمر ذكي جدا" أتي به جيم، في ظل توقع تغيير قواعد اللعبة مع تغير شاغل البيت الأبيض.
وعلى الرغم من أن الكونجرس لم يوافق على الزيادة في رأس المال حتى الآن، إلا أنه وضع البنك الدولي على أساس مالي أكثر استقرارا، ما يضمن له أهميته في السنوات القليلة المقبلة.
يقول أندرو روجرسون، كبير الباحثين في معهد التنمية لما وراء البحار في لندن "اعتقد كثير أنه لن يكون هناك أي دعم لزيادة رأس المال، لكنها حدثت. لا يمكنك أن تقول إن البنك الدولي يتعرض لضغط مستميت في الوقت الراهن، فهو يظل كبيرا، ومتنوعا، ويتم دفعه في اتجاهات مختلفة من قبل مالكيه للقيام بمزيد ومزيد" كما يضيف.

تضارب مصالح في الوظيفة الجديدة؟
من الخارج، يمكن أن ينتهي جيم بإثارة أعصاب بعضهم في البنك، بالنظر إلى أن وظيفته الجديدة من المرجح أن تتداخل بشكل كبير مع دوره السابق - في الواقع يبدو أنها مصممة للقيام بذلك.
سينضم جيم إلى "شركاء البنية التحتية العالمية"، وهي شركة يديرها أديبايو أوغونلي، أحد كبار المصرفيين السابقين في بنك كريدي سويس.
وفي حين أنه ليس مستثمرا كبيرا في الأسواق الناشئة الآن، فقد ألمح جيم إلى أنه بعد فترة تهدئة تستمر لسنة واحدة يقصد منها تجنب تضارب المصالح، سيعمل بشكل وثيق مع البنك الدولي.
يقول مسؤول كبير سابق في البنك الدولي إنه إذا كان جيم سيعمل على أي مشاريع تتعلق بمبادرة الحزام والطريق المثيرة للجدل في الصين، فقد يثير ذلك كثيرا من استغراب الإدارة الأمريكية الحالية المنشغلة تماما بالتنافس مع الصين.
ويضيف "كان جيم يروج لهذه المبادرة رغم اعتراضات واستياء كثير من موظفي البنك ووزارة الخزانة الأمريكية. آمل ألا يتورط في هذا النوع من التعامل".
لم تكشف شركاء البنية التحتية العالمية عن المبلغ الذي سيحصل عليه جيم كشريك، ولكن إذا ظهر ذلك، فقد يؤدي إلى ردة فعل عكسية جديدة حول رحيله.
يتساءل مسؤول أجنبي في واشنطن قائلا "إذا كنت قلقا فعلا إزاء المناخ والنوع، فلماذا تسعى وراء النقود عندما يمكنك العمل عليها في أكبر مؤسسة لذلك؟".
بعد الأيام المتضاربة الأولى من الأسبوع، كان المطلعون على بواطن الأمور في البنك الدولي على الأقل يشعرون بالارتياح لأن جيم لم يدفع للخروج من البنك، بل قفز من السفينة.
ويرى بعضهم أنه بدأ في الأصل في البحث عن بديل مناسب قبل بضعة أشهر، تاركا كثيرا من شؤون الإدارة اليومية لكريستالينا جورجييفا، مفوضة الاتحاد الأوروبي السابقة، التي تحظى بالإعجاب على نطاق واسع، وهي الرئيسة التنفيذية للبنك الدولي، وستتولى الآن منصب الرئيس المؤقت للبنك، إلى حين اختيار خليفة لجيم.
يقول أحد الموظفين "اختفى عن الأنظار، وقد كان في ذلك الحين يبحث عن شيء آخر".
ومع ذلك، أطلق جيم مبادرة رئيسية واحدة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مع إنشاء تصنيف "رأس المال البشري" للبلدان لقياس إنفاقها على الصحة والتعليم.
في النهاية، سيعتمد كثيرا على ما تقرر إدارة ترمب القيام به في شأن اختيار مرشحها لهذا المنصب.
تقول السيدة شيلتون إنه لا ينبغي أن يكون هناك ما يدعو للخوف "إدارة ترمب لا ترفض التعددية، فهي تحتضن تعددية الأطراف شرط أن تكون تعددية ناجحة. إنها تود أن ترى البنك يعمل بشكل أفضل"، وذلك هو المحك.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES