الصمت المدوي

|

منذ أن كانت صغيرة وهي تسعى لتكون طبيبة. عندما تطلب منها معلمة "التعبير" كتابة موضوع اختياري لم تكن تحتار مطلقا. تنطلق فورا. تكتب: أريد أن أصبح طبيبة. ثم تتدفق تعبيرا وعبيرا. من فرط ولعها بالطب؛ انصرفت عائلتها مبكرا عن مناداتها باسمها. أصبح "الدكتورة" هو لقبها الجديد. تخلد الدكتورة الصغيرة إلى النوم في فراشها وهي تحلم بالبالطو الأبيض. يوقظها أفراد أسرتها من النوم وهم ينادونها: "دكتورة" استيقظي. رافقها الطب في يقظتها ومنامها. ألفت الطب فألفها. مرت سنوات دراسة الطب سريعة؛ قصيرة ومدهشة. عندما تردد الشيء تحفظه وتتقنه ببراعة. يصبح يسيرا وسهلا. تجاوزت المنعطف الأول بسلاسة. لكنها في منتصف الطريق؛ واجهت منعطفا خطيرا. كانت ترنو لأن تتخصص في الجراحة. بيد أنها واجهت معارضة واسعة وقفت كجدار في طريقها. فالجراحة وقتئذ كانت مقصورة على الرجال.
صحيح أنه لا يوجد ما يمنع، لكن لم توجد من تجرؤ على المغامرة واقتحام هذا التخصص المعقد حينها. كانت هي شجاعة بما يكفي لخوض التجربة والفوز بها.
الأفذاذ هم من يشقون طريقهم. لا يسيرون على الطرق الممهدة ذاتها التي نسلكها.. بل يعبدون طرقهم الخاصة لهم ولمن يأتي بعدهم.
ابتعثت وعادت وتألقت، ثم أشرفت على تدريب الأطباء المقيمين في الجراحة العامة في مستشفى الملك فيصل التخصصي. يتدرب في القسم 25 جراحا. عدد النساء فيه أكثر من الرجال.
ألهمت الدكتورة "سمر الحمود" الأجيال بصمتها لا بضجيجها. كرست وقتها للعمل فأنجزت وتفوقت. واللافت في شخصية الاستشارية سمر هو غيابها عن حفلات الظهور والضوضاء، وانكبابها على العمل والبحث والتعلم والتدرب والتدريب، فيهطل عليها التقدير والامتنان من أرفع الجهات، ومن كل الاتجاهات.
ليست طبيبة فحسب بل شخصية تتمتع بحس عال. تستأصل الأورام من الأجساد، والهموم من القلوب، بإنسانيتها العالية، وتفانيها وإصغائها المثمر.
النجاح الكبير الذي تحصده هذه العالمة يمنح كل المخلصين الأمل أن المكافأة قد تتأخر، لكن حينما تأتي ستكون فاخرة.
تترأس الدكتورة سمر لجنة تحكيم الأبحاث العلمية في "الوكالة الدولية لبحوث السرطان" التابعة لـ"منظمة الصحة العالمية" كأول سيدة عربية في الشرق الأوسط تنال هذا الشرف.
وتوجت مسيرتها بالتكريم على يد خادم الحرمين الشريفين في مهرجان الجنادرية 33. مسيرتها الملهمة تلخصها الحكمة القائلة: "الأنهار العميقة لا تحدث ضجيجا".

إنشرها