FINANCIAL TIMES

عودة بيلوسي صانعة الصفقات المسؤولة إلى المشهد

خلال عطلة عيد الميلاد، عندما شهدت واشنطن دخول إغلاق الحكومة الأمريكية الأسبوع الثاني، شوهدت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي الجديدة من الحزب الديمقراطي، وهي تقضي العطلة مع عائلتها في منتجع فاخر في ولاية هاواي البعيدة، في المحيط الباسفيكي.

منافذ الأنباء المحافظة في دوائر الحزب الجمهوري بالذات، كانت قد حصلت على فرصة رائعة لا يمكن تفويتها للنيل منها. كما أن رد البيت الأبيض في ظل الرئيس دونالد ترمب جاء قويا.
حصلت الرحلة على كل الأناقة السياسية التي متّع بها جورج بوش الأب نفسه بترف على قارب سريع في كينيبنكبورت، بولاية مين، خلال فترة الانكماش الاقتصادي عام 1991.
في حين أن أي سياسي آخر كان يتذلل أو يقدم أعذارا، إلا أن بيلوسي كانت غير نادمة على تلك الرحلة، فبعد العودة إلى واشنطن، رفضت بكل بساطة كل تلك الانتقادات.
ومضت في الدفاع عن نفسها، فأوضحت في مقابلة تلفزيونية قائلة إن: "الرئيس قد لا يعرف هذا، لكن ولاية هاواي جزء من الولايات المتحدة – لربما هو لا يدرك ذلك".
وأضافت قائلة إن الرئيس كان مشوشا منذ حين ولربما إلى الآن بشأن شهادة ميلاد الرئيس السابق باراك أوباما في هاواي، ما أدى إلى تساؤلات حول إدراكه الجغرافيا الأمريكية. "فكرة أنه يشير إلى هذا الأمر أصلا تظهر فقر تفكيره" على حد قولها.
لقد كانت ضربة قوية من أقوى امرأة في واشنطن إلى أقوى رجل فيها. كما علّقت ابنتها الصغرى ألكساندرا أخيرا بقول بالغ القسوة: "سنقطع رأسك، ولن تعرف حتى كيف تنزف"، في إشارة إلى الاستعداد لخوض المعركة السياسية إلى ما لا نهاية، وبمنتهى القوة والقسوة، بل الوحشية.
على الشط الآخر، يستمر إغلاق الحكومة الأمريكية، من دون نهاية تلوح في الأفق – وهي نتيجة قد تكون ضارة لبيلوسي بقدر ما هي لترمب. مع ذلك، وفي الوقت نفسه، يبدو أن بيلوسي استطاعت الفوز مرة أخرى بدائرة انتخابية رئيسة واحدة على الأقل: اصطفاف الحزب الديمقراطي خلفها.
في الواقع، كانت هناك بوادر نظر إلى بيلوسي حتى من قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، من قبل بعض الليبراليين بأنها سامة – امرأة بيضاء غنية بعيدة عن طبقات الشعب الواسعة ومعاناتها، سبق لها أن تشبثت بالسلطة فترة طويلة فوق الحد، وقد كانت يومذاك كبيرة في السن فوق الحد على نحو لا يؤهلها لتمثيل فئة الشباب والمبتدئين المتنوعين في الحزب. على أن المثير في الأمر، هو أنها ها هي قد عادت إلى الدور نفسه، بعد أن راكمت سنين إضافية على عمرها، ومنذئذ الانتخابات النصفية يبدو أنها قد استعادت بعض دعم تلك الدائرة المشككة فيها.
المرشحون الديمقراطيون في الكونجرس الذين كانوا قد حاولوا إبعاد أنفسهم عنها قبل الانتخابات النصفية، باتوا الآن يتخذون نهجها معاكسا.
ها هي بيلوسي المفاوضة الحازمة والمسؤولة عن عد الأصوات، تتخلص من منتقديها المحتملين واحدا تلو الآخر.
كما أنها قد عمدت إلى تحييد منافستها الحقيقية الوحيدة لمنصب رئيس المجلس، أي مارسيا فودج، من خلال عرض رئاسة لجنة فرعية لها، ما دفع فودج إلى إعلان تنحيها عن منافسة بيلوسي، على رئاسة مجلس النواب.
في الأيام التي أعقبت ذلك، استطاعت استمالة أكثر من عشرة نواب ديمقراطيين آخرين إلى صفها، من خلال اتفاق لدعم حدود فترة الولاية لمدة أربعة أعوام لقادة الحزب، وقد فازت في النهاية بمعركة رئاسة المجلس، وبأصوات إضافية.
بيد أنها فوق ذلك قد نجحت في الاستحواذ على اهتمام خاص لطريقة تعاملها مع ترمب. خلال اجتماع في الحادي عشر من كانون الأول (ديسمبر) الماضي في المكتب البيضاوي، بدا أن الرئيس أخذ على حين غرة من قبل بيلوسي، عندما وصفت مأزق الحكومة التالي بأنه "إغلاق ترمب" وألقت الكرة في ملعبه بردها عليها بواحدة من شاكلة ملاحظاته الساخرة.
بعد الاجتماع، كانت بيلوسي قد خرجت من المبنى وهي ترتدي معطفا أحمر اللون، ونظارات وعلى وجهها ابتسامة انتصار، ما ألهم طرح فكرة على الإنترنت عنها، وهي تبتعد عن البيت الأبيض المشتعل يتصدرها الشعار التالي: "تعليمات كيفية اللجوء إلى: لا تفعل".
دار ماكس مارا للأزياء التي صنعت المعطف الصوفي الذي كانت ترتديه بيلوسي، قبل عدة مواسم، أعلنت أنها ستعيد تشغيل خط إنتاجه بسبب ازدهار الطلب الشعبي عليه.
بعد نحو أسبوعين من ذلك، سخرت بيلوسي من الرئيس بسبب التراجع عما قد يبدو عليه الإصرار على بناء جدار حدودي اقترحه قبالة المكسيك. وقالت مازحة: "تراجع في الأصل عن الإسمنت – أعتقد أنه الآن يتراجع إلى ستار مزخرف، أو شيء ما من ذلك القبيل".
إحدى الصفات التي تجعل بيلوسي البالغة من العمر 78 عاما مسلية للغاية، هي المدى الذي يبدو أنها تستمتع فيه بنفسها – وكم يبدو أنها لا تهتم بما يعتقده الآخرون.
وفي حين أن بقية الحزب الديمقراطي كانت تجد نفسها مشغولة إلى حد كبير، بمناقشة مسألة ما إذا كان بإمكان سياسية أنثى أن تكون "محبوبة"، "سبق توجيه اتهام مماثل لكل من هيلاري كلينتون عام 2016 وإليزابيث وارن عام 2019، بأنهما تفتقران إلى هذه الخاصية، التي يبدو أنها لا تنطبق أبدا على المرشحين الذكور"، كانت بيلوسي تتهرّب من الإجابة مباشرة عن السؤال. ربما كان ذلك نتاج فضيلة خبرتها، أو العيش في حيها الآمن في كاليفورنيا – وهو أمر رائع على الرغم من ذلك التهرب، في نهاية المطاف.
وبينما كانت البلاد تتساءل عما إذا كانت هي أفضل خيار للديمقراطيين لتولي منصب رئيس مجلس النواب، مرة أخرى، كان هناك شخص واحد لم يكن يخطر في باله ذلك السؤال المحسومة إجابته، لقد كانت: نانسي بيلوسي.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES