توازن أسواق النفط وحالة الأسعار الراهنة

|

إن تراجع أسعار النفط بأكثر من 30 دولارا للبرميل من القمة التي وصل إليها في الربع الأخير من عام 2018، لا يتناسب مع التحولات التي حدثت على جانبي العرض والطلب منذ تلك الفترة؛ حيث إن أسواق النفط بدلا من ذلك قد تأثرت بسبب تزايد عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وسياسات الولايات المتحدة التجارية غير التقليدية. التوازن في أسواق النفط أشد بكثير من وجهة نظر المضاربين الذين يحركون الأسواق، ويمكن أن يؤدي إحياء اتفاقية خفض الإنتاج بين "أوبك" وحلفائها إلى تحقيق التوازن في الأسواق في وقت قصير، لكن عديدا من العوامل الخارجية يؤدي دورا في إبقاء أسعار النفط متقلبة، بغض النظر عما إذا كانت أساسيات أسواق النفط في حالة التوازن أو فائض.
في عام 2018، بلغ متوسط سعر خام برنت 71.75 دولار للبرميل، وهو ما يكفي لتحقيق التوازن بين معظم الموازنات الحكومية للدول الرئيسة المنتجة للنفط، لكن أسعار برنت أنهت العام بما يقارب 54 دولارا للبرميل، وعادت الأسعار مرة أخرى إلى متوسط السنوات الثلاث السابقة، عندما كان يُنظر إلى الأسواق على أنها في حالة تراجع. تأثير تخفيضات الإنتاج من قبل "أوبك" وحلفائها في أسواق النفط قد تراجع، ذلك أن التدفق الكبير لرأس المال المضارب من أسواق النفط الخام إلى الأسواق الأخرى، قد أدى إلى تفاقم الاتجاه الهبوطي لأسعار النفط؛ حيث إن العقوبات الأمريكية على إيران التي كانت تهدف إلى خفض الصادرات الإيرانية إلى الصفر لم تتحقق؛ لذلك هناك حاجة إلى استقرار الاقتصاد العالمي لجذب الأموال من جديد إلى العقود الآجلة للنفط، وتمهيد الطريق لتحقيق انتعاش متواضع على الأقل في الأسعار. وتظهر توقعات معظم المحللين بخصوص حالة التوازن في الأسواق، أن تخفيضات "أوبك" وحلفائها المتفق عليها في أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2018 ستحصل على دعم كبير من انخفاض الإنتاجين الإيراني والفنزويلي، اللذين يقعان خارج الاتفاق. إذا امتثل الأعضاء المشاركون في منظمة أوبك بشكل كامل، وخفّضوا الإنتاج بنحو 800 برميل في اليوم -النتيجة التي أصبحت حقيقة أكثر احتمالا هي أن أسعار النفط ستظل فترة أطول منخفضة- فقد تتمكن المنظمة من خفض مستويات المخزون.
وفي محاولة منها لإضفاء بعض الاستقرار على أسعار النفط، قالت السعودية إن إنتاجها في كانون الثاني (يناير) سيكون أقل من حصتها البالغة 10.3 مليون برميل يوميا. والمفارقة في السوق الحالية هي أن العالم كان يتمتع بطاقات احتياطية أكبر عندما بلغ سعر برميل برنت 86 دولارا للبرميل عنه عندما انخفض إلى أقل من 60 دولارا للبرميل، على الرغم من أن السعودية والإمارات تتطلعان إلى معالجة هذه المشكلة عن طريق إضافة طاقات إنتاجية جديدة.
وبحلول تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، قام المنتجون بتحويل كل الطاقات الفائضة المتبقية لديهم إلى إمدادات فعلية لتعويض الإنتاج الإيراني المتوقع أن يتراجع نتيجة العقوبات الأمريكية. وعندما أصدرت الولايات المتحدة إعفاءات لبعض الدول بدلا من ذلك، قامت في الواقع بتزويد السوق بمليون برميل يوميا من العرض غير المتوقع، ما خفف المخاوف من نقص حاد في الإمدادات. لكن أسعار النفط قد استجابت كما لو أن هناك فائضا رئيسا تم إنشاؤه، وهذا ليس هو الحال. إن انعدام الأمن في الأسواق يعود إلى عدد من الأسباب، لكن العامل الرئيس كان رغبة الولايات المتحدة في إنشاء نظام تجارة عالمي وأمن جديدين، الذي قد يؤدي إلى تآكل التحالفات والمؤسسات طويلة الأجل التي تدعم الاقتصادات العالمية، من منظمة التجارة العالمية إلى معاهدة شمال الأطلسي. وأقرب ما يكون إلى عقول المستثمرين هو احتمال حدوث ركود اقتصادي عالمي، قد يؤثر بشدة في الطلب العالمي على النفط.
إن الفوضى في أسعار النفط منذ أوائل تشرين الأول (أكتوبر) تعتبر إلى حد كبير أضرارا جانبية نتيجة سياسات التجارة والجزاءات الأمريكية، وبدرجة أقل نتيجة مخاوف المستثمرين من المخاطر التي استحوذت على الأسواق المالية، وأدت إلى تراجع أسواق الأسهم الأمريكية 9 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) وحده. في الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد الأمريكي في حالة ازدهار حتى لو تباطأ عام 2019، وهو واقع يسمح بارتفاع أسعار الفائدة المحلية، الأمر الذي يقوي الدولار الأمريكي، ويضعف بدوره عملات الأسواق الناشئة، وبالتالي يرفع تكاليف النفط بالنسبة لها.
كل هذا لا يعني أنه لا توجد اضطرابات في الأسواق المادية Phyiscal Markets؛ أي إنه لن يكون لها تأثير في الأسعار. على سبيل المثال، أسواق المنتجات المكررة ليست في حالة توازن، ما يجعل المصافي مترددة في شراء النفط الخام، ومن المتوقع أن تتفاقم هذه الاختلالات بين العرض والطلب على المنتجات عام 2019. من خلال تلبية الطلب العالمي المتزايد على الديزل، فإن مصافي التكرير ستضطر إلى تزود أسواق البنزين والنفثا بأكثر من حاجتها. وقد حدث هذا الانفصال حتى قبل أن تستعد المصافي بشكل كامل لمواجهة الارتفاع الكبير المتوقع في الطلب على الديزل منخفض الكبريت ووقود الديزل البحري من صناعة الشحن. إن معايير وقود السفن البحرية الأكثر صرامة التي وضعتها المنظمة البحرية الدولية، وستدخل حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني (يناير) 2020، من المقرر أن تفرض تبديل ما لا يقل عن مليوني برميل يوميا من زيت الوقود إلى منتجات أخرى، في أسواق إذا تغير فيها بضع مئات الآلاف من البراميل في اليوم من الطلب على الوقود، يمكن أن تُحدِث اختلالات كبيرة في العرض والطلب واضطرابات في الأسعار.

إنشرها