بين العقل والعاطفة

|

سلم مواطن ابنه إلى الجهات الأمنية، بعد أن تسبب الأخير في حادث دهس أدى إلى مصرع طفل في مكة المكرمة. قام الأب بعين الصواب، وهو يفعل ذلك وقلبه يتقطع ألما، فليس أغلى من الأبناء عند الآباء، لكنها الحكمة والفطنة التي يمكن أن تنجي هذا الابن من عواقب عمله الخطير.
لن أدخل في أسباب الحادث، ومن المتسبب، فذلك شأن قانوني يتولاه أصحاب الاختصاص، ولست منهم. أتعامل مع هذا الأمر من ناحية أخلاقية وقيمية، فمجتمعنا الذي يميل بقوة إلى تكريس حالة الرفاهية في مكوناته، ويساعد على ظهور مشكلات جديدة كل سنة، إنما يفعل ما يفعل وهو غير ملم بالعواقب الوخيمة لعدم الاهتمام، ومحاولات إرضاء الصغار بإعطائهم ما يريدون بغض النظر عن حكمة ذلك من عدمها.
ذكر أحد كبار علماء النفس فيتامينا مهما يهمله أغلبنا، وهو فيتامين N، ويقصد به الكلمة NO. إن الرفض الذي نحتاج أن نتبناه في مراحل مبكرة من حياة أبنائنا، رغم الضغوط المجتمعية وضغوط الأنداد والجيران، هو العلاج الحقيقي لحالة الشره الفكري والمادي التي يعانيها المراهقون، ومتوسطو العمر، والكبار على حد سواء. أمر يتكون ثم يتضخم على شكل سلوك وفكر يسيّران حياة الجميع. نفعل الأشياء دون أن نعرضها على العقل والمنطق والتفكير في المآلات؛ وإنما لأننا نحبها ونرتاح لها.
هذه الحال الخطيرة من تركيع العقل للعاطفة، الذي أدى إلى كثير من الخسائر النفسية والمجتمعية والمادية لأغلبنا، لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. نحن في نهاية المطاف مضطرون إلى التعامل مع إخفاقاتنا التي حدثت بسبب عدم اكتراثنا باستخدام الفيتامين المهم والمكروه فيتامين "لا". إن استمرار الحياة بهذا الشكل يوجهنا نحو مخاطر جمة لا يعلم منتهاها سوى الله.
قلب هذا الرجل الموازين عندما غلب في هذه المأساة عقله على قلبه، ونحن نقول عسى أن يعيد إليه الله فلذة كبده، ونتألم لألمه. لكن الحق أحق أن يتبع، وهو الوسيلة الوحيدة الحقيقية لإطفاء غيظ أهل الطفل الفقيد، وإرضاء الله الذي لا يرضى لعباده الظلم؛ إذ حرمه على نفسه، وجعله محرما على كل عباده، وهي دعوة للجميع لتغليب العقل، ودعاء أن يحفظ الله كل غال لديكم، ويحميكم ومن تحبون من كل المخاطر.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها