أخبار

أمريكا اللاتينية والشعبوية.. رغبات عادلة ونهايات مأساوية

على مدار القسم الأعظم منذ قرن من الزمن، كانت الشعبوية تعد على نطاق واسع ظاهرة خاصة بأمريكا اللاتينية من غير ريب، فهي وباء سياسي متكرر الحدوث في دول مثل الأرجنتين، والإكوادور، وفنزويلا. ولكن في السنوات القليلة الأخيرة، أصبحت النزعة الشعبوية عالمية، حتى إن السياسة انقلبت رأسا على عقب في بلدان متباينة كتباين المجر، وإيطاليا، والفلبين، والولايات المتحدة. ويعد الرئيس البرازيلي المنتخب جايير بولسونارو أحدث مثال على اتجاه أكبر.
يكتسب الساسة الشعبويون قوة جذب عندما يشعر العمال والمواطنون من الطبقة المتوسطة بأنهم ظلموا على يد النخب في بلدانهم. وفي هذه الأجواء التعسة، يلجأ الناخبون بحسب سيباستيان إدواردز أستاذ الاقتصاد الدولي في كلية أندرسون للدراسات العليا في الإدارة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس إلى الشخصيات القوية التي تتمتع بالكاريزما الشعبية والتي تركز في خطابها غالبا على أسباب وعواقب التفاوت بين الناس. يتسم القادة الشعبويون فضلا عن ذلك بنزعتهم القومية، وعملتهم هي المواجهة. وعلى هذا فلا بد من تأليب "الشعب" ضد المؤسسة السياسية، والشركات الكبرى، والمصارف، والمؤسسات المتعددة الجنسيات، والمهاجرين، وغير ذلك من المؤسسات الأجنبية.
بمجرد الوصول إلى السلطة، تميل الحكومات الشعبوية إلى تنفيذ سياسات تهدف إلى إعادة توزيع الدخل. وفي أغلب الأحيان، ينطوي هذا على عجز مالي غير قابل للاستمرار فضلا عن التوسع النقدي. وتنتهك السياسات الشعبوية ــ التي تشمل أيضا تدابير الحماية، والتنظيم التمييزي، وضوابط رأس المال ــ أغلب المبادئ الأساسية التي تحكم الاقتصاد التقليدي. لكن الابتداع يعني ضمنا الانفصال عن الوضع الراهن. ووفقا للشعبويين فإن الانفصال عن الوضع الراهن هو الحل الوحيد، لأن الوضع الراهن هو مصدر كل علة أو داء تعاني منه دولتهم.
تقدم لنا فنزويلا مثالا مناسبا للغاية للكيفية التي قد تترسخ بها الشعبوية. وقع الحدث الأولي الذي أعطى الزخم للحركة الشعبوية في البلاد قبل نحو عشر سنوات من وصول هوجو شافيز إلى السلطة. ففي الـ 27 من شباط (فبراير) 1989، اندلعت أعمال شغب في العاصمة كاركاس، بعد إعلان عن رفع أسعار تذاكر النقل بنحو 30 في المائة. ولإعادة فرض النظام، اضطرت الحكومة إلى استدعاء القوات المسلحة العسكرية. وبعد خمسة أيام من العنف، قتل أكثر من 300 شخص.
وقد مهدت هذه الواقعة الطريق أمام الانقلاب الفاشل الذي قاده شافيز في شباط (فبراير) 1992. خلال العامين اللذين قضاهما في السجن، استعد شافيز لخوض الانتخابات الرئاسية، وعندما أطلق سراحه، قام بزيارة المدينة تلو الأخرى لتقديم برنامجه الشعبوي. كان الاقتصاد متعثرا، وكان الفقراء يبجلون شافيز. وفي الانتخابات الرئاسية في كانون الأول (ديسمبر) 1998، حقق شافيز فوزا ساحقا.
وتكمن أزمات مماثلة عميقة وراء صعود الشعبوية اليمينية اليوم. ففي البرازيل، يدين بولسونارو بشعبيته المفاجئة لأزمة اقتصادية واجتماعية كانت تختمر منذ ما يقرب من عشر سنوات، فأنتجت معدلات بطالة مرتفعة وقلصت الأجور في مختلف القطاعات. في الوقت نفسه، كانت البلاد غارقة في فضائح الفساد الضخمة والمتلاحقة التي أسفرت عن سجن الرئيس السابق لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ومحاكمة وعزل خليفته ديلما روسوف من منصبها.
على نحو مماثل، أرست الأزمة المالية في عام 2008 الأساس لظهور الشعبوية في الدول المتقدمة. فقد أظهر المواطنون العاديون بغضهم الشديد لعمليات إنقاذ المصارف، ثم صبت أزمة المهاجرين في أوروبا وأماكن أخرى مزيدا من الوقود على نيران القومية.
هناك عديد من أوجه التشابه بين تجربة أمريكا اللاتينية مع الشعبوية وتجربة الاقتصادات المتقدمة معها اليوم. فقد سجل العجز المالي في الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية ارتفاعات غير مسبوقة، وارتفع الاقتراض إلى مستويات بالغة الخطورة. والدرس المستفاد من التاريخ هو أن أزمة ديون ربما تكون في الأفق القريب.
ولا يخلو الأمر أيضا من أوجه تشابه ملحوظة عندما يتعلق الأمر بالكيفية التي يدير بها القادة الشعبويون السياسة فعليا، خاصة تأكيدهم على حشد المظاهرات العامة للدعم الشعبي. من المؤكد أن الحشود التي يجمعها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحت شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" ليست كمثل مسيرات شافيز الحاشدة. لكن هجمات ترمب الساخرة ضد خصومه السياسيين، وخطابه المناهض للعولمة، واحتقاره للنخب، كلها توجهات مألوفة لكثيرين في أمريكا اللاتينية. ومثلها كمثل الإدارات الشعبوية الأمريكية اللاتينية، تلاحق إدارة ترمب أجندة تؤكد على تدابير الحماية التي تهدف إلى حماية الصناعات المحلية من المنافسة.
علاوة على ذلك، يصر الشعبويون في أمريكا اللاتينية منذ فترة طويلة على إدانة المؤسسات القائمة، خاصة تلك التي يفترض أن توفر الضوابط والتوازنات عند ممارسة السلطة الحكومية. فقد انتقد شافيز محكمة العدل العليا، ثم شغل مقاعدها بالموالين المخلصين؛ كما هدد رئيس الإكوادور السابق رافائيل كوريا بإصلاح النظام النقدي المستقر في البلاد؛ وشن رئيس بيرو السابق ألان جارسيا هجمات لاذعة ضد صندوق النقد الدولي.
على نحو مماثل، ذم ترمب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واصفا إياه بأنه "مجنون" و"مخبول" بسبب سعيه إلى تحقيق هدف تطبيع السياسة النقدية. وفي إيطاليا، حيث اقترحت الحكومة ميزانية تنتهك قواعد العجز في الاتحاد الأوروبي. كما تلفظ نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني بكلمات قاسية في حق البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية.
هناك أيضا اختلافات بطبيعة الحال. أكثر هذه الاختلافات أهمية أن عديدا من الاقتصادات المتقدمة، حيث أحرزت القوى الشعبوية تقدما ملموسا، لا تزال تفرض قيودا على السياسة النقدية. وعلى عكس الحال في أمريكا اللاتينية، لا يمكن إجبار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي على تمويل الإنفاق المالي للحكومات. ورغم أن إيطاليا تنتمي إلى منطقة اليورو، فإن تأثيرها ضئيل للغاية على كيفية عمل البنك المركزي الأوروبي. وما دامت هذه هي الحال، فمن غير المرجح أن تنتهي لحظة الشعبوية في إيطاليا إلى فورة تضخمية، كما كانت الحال تقليديا في أمريكا اللاتينية. ففي الأرجنتين، على سبيل المثال، ارتفع معدل التضخم إلى 41 في المائة بعد رئاستي نيستور كيرشنر وزوجته كريستينا فرنانديز دي كيرشنر مباشرة.
مع ذلك، تناثرت الأحاديث عن "خروج إيطالي" محتمل، تخرج إيطاليا بموجبه من منطقة اليورو وتعود إلى استخدام الليرة الإيطالية. ولكن ينبغي للإيطاليين أن يفهموا أنه عندما عادت بلدان أخرى "ليبيريا على سبيل المثال" إلى استخدام عملة محلية لم تنته أحوالها إلى خير. والواقع أن الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استخلاصه من تجارب أمريكا اللاتينية مع الشعبوية هو أن نهاياتها كانت دوما سيئة. في نهاية المطاف، تجد الأسر المنخفضة والمتوسطة الدخل أنفسها في حال أسوأ مما كانت عليه عندما بدأت التجربة الشعبوية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار