المشراق

مدينة الموظفين قبل 65 عاما .. إسكان بالتقسيط من المرتب

تحدثت في عدد سابق عن قصة نشأة حي الملز، وألمحت إلى بناء مدينة الموظفين فيه، واليوم نعود إلى نفس الموضوع للتعرف على قصة هذه المدينة التي سكن فيها كثير من الوزراء والمسؤولين وكثير من الموظفين في عهد الملك سعود، وكانت من المشاريع المعروفة آنذاك.

مدينة الموظفين

من المشروعات المهمة التي نفذت عندما كان الأمير فهد الفيصل أمينا لمدينة الرياض إنشاء مدينة الموظفين في حي الملز، وهي كما هو واضح من اسمها مخصصة في الأصل لموظفي الحكومة، وكثير منهم كان قد انتقل حديثا من مدينة جدة إلى الرياض مع قرار الملك سعود بنقل الوزارات إلى الرياض، وتأسيس وزارات جديدة، وجاء هذا المشروع ليحل أزمة في ذلك الوقت.
وكان الاتفاق على تنفيذ هذا المشروع يقع على عاتق فهد الفيصل ومسؤوليته، فهو الذي اتفق مع الشركات وتعاقد معها، وأشرف على عملها، وتابعها بدقة، ولم يرض أن تخل أي شركة بالمواصفات المتفق عليها.
وبعد أن أوشك المشروع على الاكتمال انتقلت عهدته إلى وزارة المالية. لم يكن لدى الحكومة ميزانية لهذا المشروع، ولم يكن لديها المال الكافي لتمويله، فتوصل صاحب السيرة إلى طريقة تخدم جميع الأطراف التي لها علاقة بالمشروع: الحكومة، والموظفين، وشركات المقاولات، وسيأتي تفصيلها بعد قليل. ويذكر فهد الفيصل في مذكراته الصوتية أنه بعدما فكر في مشروع مدينة الموظفين فاتح فيه الملك سعود فأيده، ثم بدأ في تنفيذه. كانت مدينة الموظفين حديث الصحافة لسنوات، فهي أكبر مشروع عرفته السعودية في حينها، وزاد انبهار الناس بهذا النمط الجديد في التخطيط والبناء الذي لم يكن معهودا من قبل.
جاء في كتاب "الرياض في عهد الملك سعود" أن مساحتها تبلغ نحو ستة كيلومترات مربعة. وتعاقدت الأمانة عليها مع ثلاث شركات وطنية كبرى، على أن تسدد تكاليفها بطريقة الدفع المؤجل، فلا تتحمل الدولة دفع ملايين الريالات، وفي الوقت ذاته يوفر الموظف صاحب الدخل القليل من مرتبه، ويتمكن من الحصول على سكن، على أن يدفع تكاليفه الفعلية على أقساط لمدة 20 سنة تخصم من راتبه الشهري، ثم تصبح الفيلا ملكا له. وأن هذا المشروع من أنجح مشروعات الأمانة التي راعت في تخطيط هذه المدينة ما يلزمها من مرافق عامة.
وفي رجب من عام 1376 كتب رشاد حافظ عن مدينة الموظفين "مدينة كبيرة واسعة تبعد عن عمارات الوزارات بضعة كيلو مترات، وهي مكونة من عمارات جميلة أنيقة على الطراز الحديث، منها الكبيرة، والمتوسطة، والصغيرة، وهي خاصة للموظفين الذين يرغبون في شراء عمارة فيها كبيرة كانت أو متوسطة أو صغيرة، تقسط قيمتها عليهم من رواتبهم، وقد أقبل على الشراء عدد كبير من الموظفين". وفي عام 1377 كتب عبدالعزيز مؤمنة عن مدينة الموظفين "إذا ذهبت إلى الملز فسترى مدينة جديدة، تمتد عشرات الأميال، وحيثما اتجه بصرك ترى منشآت حديثة يطلق عليها اسم "الرياض الجديدة"، وهي تتكون من 800 فيلا، و700 مسكن تقع في 15 عمارة كبيرة. وقد بلغت تكاليف هذه الأبنية حتى الآن 35 مليون ريال ولا يزال العمران جاريا فيها حتى الآن. والمدينة الجديدة، مزودة بالماء والكهرباء، وبشبكة مجاري حديثة"، ثم ينقل عن الأمير فهد الفيصل أن أهم سبب دعاه إلى بناء مدينة الموظفين هو "أزمة المساكن التي اشتدت بسبب إقبال المواطنين على السكن في الرياض والإقامة فيها بعد أن أصبحت المقر الرسمي للمصالح الحكومية، الأمر الذي سبب ارتفاعا باهظا في الإيجارات السنوية".
ورآها الدكتور أحمد زكي عام 1379 فقال عنها "وفي هذه المدينة الجديدة ترى صفوفا من المباني، شكلها واحد، تلفت الأنظار، وتسأل فتعلم أنها منازل تبنيها الحكومة لموظفيها، وهي قسمتهم درجات، ثم قسمت هذه البيوت كذلك درجات، وجعلت لكل موظف سعودي بيتا ينزل فيه بالأجر ثم يكون له من بعد ذلك ملكا خاصا. وقد أفاد هذا النظام الموظفين ذوي الدخل المحدود فائدة كبرى". وزارها أمين سعيد في عام 1380 فقال عنها "تقع جنوب شارع المطار، خططوها تخطيطا فنيا بديعا، وأقاموا على جوانبها الدور والقصور، وهي تحصى بالمئات، ولا تزال تزداد اتساعا وعمرانا. وحركة البناء قائمة على قدم وساق". وكتب عصام العماد في مطلع عام 1384 تقريرا مطولا عن مدينة الرياض الجديدة جاء فيه أنها "مبنية على تصميم حديث مع مراعاة أمر النواحي الصحية المختلفة من جهة، وأمر تخطيط الشوارع التي تخترق المدينة من جهة أخرى. وتبلغ تكاليف هذا المشروع الضخم 56 مليون ريال سعودي، وتقوم بتنفيذه ثلاث شركات هندسية، بعضها أنجز عمله، والبعض الآخر في طريق الإنجاز، والموعد النهائي المحدد لإنجاز جميع أعمال البناء هو جمادى الآخرةة عام 1384. هذا وبمجرد الانتهاء من بناء الدار الواحدة يجري تسليمها إلى الموظف الذي خصصت له بعد أن تدفع الدولة ثمنها كاملة، ثم تقوم باستيفاء المبلغ من راتب الموظف خلال مدة 20 سنة، يصبح الموظف بعدها مالكا للدار حر التصرف فيها. على أن المبلغ الذي يدفعه الموظف ثمنا لمنزله لا يشمل سوى تكاليف البناء التي تدفع للشركة الهندسية المقاولة، بينما تعطى الأرض ويقدم الإشراف الفني والإداري للموظف مجانا. والدور الخاصة أربعة أنواع: صغيرة، ومتوسطة، وكبيرة، وممتازة". ثم يورد تفاصيل ما تحتويه البيوت ويضيف بعدها "وتوزع هذه الدور على الموظفين حسب إمكاناتهم المادية، على أن يؤخذ في الحسبان عدد أفراد عائلة الموظف، ويراعى في الوقت نفسه أمر عدم إرهاق كاهل الموظف بالأقساط الشهرية التي يدفعها. هذا عن الدور الخاصة.
أما البنايات العامة فهي عبارة عن مبان تتألف من عدة شقق صغيرة يجري تأجيرها للموظفين العزاب بأسعار متهاودة جدا. وتبقى الدولة مسؤولة عن العناية بالدور وصيانتها طالما هي لم تسلم إلى صاحبها، فإذا ما تم تسليمها إليه أصبحت تكاليف الصيانة منوطة بالمالك نفسه. أما البنايات العامة فتبقى الدولة مسؤولة عن صيانتها والقيام بجميع الإصلاحات اللازمة لها". ثم يذكر أنه خصص فيها أماكن لإنشاء مستشفيات، ومرافق أخرى سبق ذكرها. ثم يذكر المنشآت التي قامت في الملز، مما ذكرته وما لم يُذكر. ويلاحظ في كلام الكتَّاب السابقين إعجابهم بمدينة الموظفين وحي الملز.

شركات البناء

نشرت جريدة أم القرى في 12 رجب 1375 خبر تعاقد الأمانة مع شركة عرين لتبني 710 فلل بالقرب من ميدان سباق الخيل وقد اقترن هذا الاتفاق بمصادقة المراجع العليا. وأجرت جريدة اليمامة مقابلة مع الأمير فهد الفيصل في جمادى الأولى من عام 1376 ذكر فيها أن الأمانة تعاقدت مع أربع شركات للنهوض بالمشروع العمراني في الرياض، وأنها أنجزت كثيرا من الفلل والبنايات. والشركات هي:
1- شركة عرين: 350 فيلا، 360 مسكنا.
2- شركة البحر الأحمر: 500 فيلا، و300 مسكن.
3- شركة الزهراء: 200 فيلا.
4- الشركة السعودية: 100 فيلا.
والشركات الثلاث الأولى هي التي تولت بناء إسكان الموظفين. يقول الدكتور عبدالعزيز الخويطر خلال حديثه عن فهد الفيصل "وكان في وقته مشروع إسكان الموظفين في الملز الذي أعطي لشركات ثلاث، وأنجز أغلب المشروع، إلا أن فلل الزهرة تعثرت، والسبب كما هو مبين في مفكرة اليوم الخلاف بين وزارة المالية والبلدية، وصادف هذا بدء العسرة المالية، ما عوق المشروع، ولم يتم إكماله إلا بعد أن ترك الأمير فهد الفيصل البلدية، وصارت المفاوضة بين المالية والشركة فانتهى الأمر إلى ما رضيه الطرفان". لكن الشركة التي اشتكى منها الناس كثيرا في تنفيذ المشروع، وأصبحت مشكلتها قضية رأي عام، وكتبت عنها الصحف عشرات المرات هي شركة عرين، وكان الأمير فهد الفيصل مستاء من هذه الشركة.
ظلت مدينة الموظفين مربوطة بأمانة مدينة الرياض حتى صدر قرار مجلس الوزراء في الخامس من جمادى الأولى لعام 1378هـ بربطها بوزارة المالية، و"أصبحت فلل ومساكن وأراضي مدينة الرياض الجديدة تابعة لوزارة المالية والاقتصاد الوطني، فكل معاملة من نوع التمليك أو الإيجار أو بيع الأراضي لأي غرض كان يجب أن تتم بطريق وزارة المالية". وفي مقابلة أجريت مع خالد بوظو المشرف العام على مدينة الموظفين في شهر رجب من عام 1378 ذكر أن عدد الفلل التي أنشئت 657 فيلا صغيرة، و110 فيلات متوسطة، و83 فيلا كبيرة، و15 عمارة سكنية، سُلّمت إحداها لتكون سكنا لطلاب جامعة الملك سعود، وتسلم الموظفون 450 فيلا، وما تبقى كان في طريقه للتسليم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق