أهداف التنمية المستدامة .. ودور العالم السيبراني

|

تطرح "أهداف التنمية المستدامة" ما يجب على دول العالم التعاون على تحقيقه بحلول عام 2030 من أجل الوصول إلى عالم أفضل، يتمتع بالقدرة على الاستمرار في التنمية دون توقف. ويرتبط العمل على ذلك بوجود "العالم السيبراني" المنتشر حول العالم، الذي يقدم خدماته "الرقمية" في شتى المجالات، ويجعل العمل فيها أعلى كفاءة وأرفع جودة، موفرا للإنسان حياة أكثر رفاهية. ليس هذا فحسب، بل إن التقنية الرقمية للعالم السيبراني تتطور باستمرار لتعطي هذا العالم إمكانات متزايدة ودورا أكبر في حياة الإنسان. وعلى ذلك، تبرز أهمية هذا العالم من كونه وسيلة رئيسة لتفعيل الجهود المبذولة نحو تحقيق أهداف التنمية المنشودة في شتى المجالات.
طرحنا في مقال سابق، نشر في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، نظرة تاريخية إلى تطور التقنية الرقمية عبر الزمن وبنائها العالم السيبراني، ودورها المتزايد في تفعيل التنمية. وسنركز في هذا المقال على هذا الدور في إطار "أهداف التنمية المستدامة". وسنعتمد في ذلك على المعلومات المتاحة في مصدرين، أحدهما وثيقة تفصيلية حول هذه الأهداف ومستهدفاتها التفصيلية ومؤشراتها أصدرتها الأمم المتحدة عام 2016، أما المصدر الثاني فهو دراسة صادرة في ألمانيا عام 2017 عن "بلدان مجموعة الـ 20 G20" بالتعاون مع "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD" التي تعرف "بنادي الدول الغنية"، حول دور تقنيات المعلومات والاتصالات في الإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
يبلغ عدد أهداف التنمية المستدامة "17 هدفا". ولهذه الأهداف: "125 مستهدفا مطلوبا"؛ و"55 توجيها"؛ و"230 مؤشرا". أي أن لكل هدف وسطيا: أكثر من "سبعة مستهدفات"؛ وأكثر من "ثلاثة توجيهات"؛ وأكثر من "13 مؤشرا". ولبعض المستهدفات والتوجيهات والمؤشرات علاقة باستخدام التقنية الرقمية والتحول الرقمي والاستفادة من ذلك في تحقيق متطلباتها بكفاءة وفاعلية، والإسهام في التنمية. وسنطرح هذا الأمر فيما يلي على أساس تقسيم أهداف التنمية المستدامة تبعا "للموضوعات الخمسة" التي تطرحها، فهناك أهداف ترتبط "باحتياجات الإنسان الأساسية"؛ وأخرى تتعلق "بالبيئة"؛ وثالثة تختص "بتمكين نشاطات الإنسان"؛ ورابعة تهتم "بالمسؤولية والعدالة وأداء المؤسسات"؛ وأخيرا خامسة تركز على "الشراكة والتعاون الدولي" في تحقيق جميع أهداف التنمية المنشودة.
تشمل الأهداف الخاصة "باحتياجات الإنسان": إنهاء الفقر؛ والقضاء على الجوع؛ والاهتمام بالصحة. وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف تبرز "مستهدفات" تقضي بتمكين الجميع أينما كانوا، في المدن أو في المناطق النائية، ودون تمييز، من الحصول على الخدمات العامة الاجتماعية والاقتصادية والصحية، واستخدام "تقنية العالم السيبراني" في تحقيق ذلك. كما تظهر أيضا "توجيهات" تقضي "بمزيد من الاستثمار في المناطق النائية"، بما يشمل تفعيل الزراعة، وتطوير التقنية والاستفادة منها؛ وتهتم بإيجاد نماذج عمل جديدة تستند إلى "التقنية الرقمية" في تقديم الخدمات المختلفة عامة، والخدمات الصحية على وجه الخصوص.
وتتضمن الأهداف المرتبطة "بالبيئة": قضايا المياه، والطاقة، والمدن والمجتمعات، والطقس، والحياة المائية، والحياة البرية. تتطلع هذه الأهداف نحو العمل على "تقديم مياه نظيفة وطاقة نظيفة أيضا"، وترى المستهدفات المرتبطة بذلك الحاجة إلى استخدام التقنية الرقمية في شبكات الطاقة وفي شبكات المياه كي يكون عملها أكثر كفاءة وفاعلية. وتهتم هذه الأهداف أيضا بالعمل على "تطوير المدن والمجتمعات" واستخدام التقنية الرقمية في جعل نشاطاتها أكثر كفاءة وفاعلية وقابلية للاستدامة. وتبرز في هذا الإطار مسألة إقامة "المدن الذكية" التي تحدثنا عنها في مقال سابق. وفي موضوع الأهداف الخاصة "بالطقس والحياة المائية والحياة البرية"، تدعو المستهدفات إلى استخدام "إنترنت الأشياء" التي تحدثنا عنها في مقال سابق، في مراقبة أوضاعها بصورة أفضل وأسرع وأقل تكلفة من أجل الاستجابة للمتطلبات عند الحاجة.
نأتي إلى الأهداف الخاصة "بتمكين نشاطات الإنسان" عبر "التعليم، والعمل المناسب، والصناعة والابتكار والبنية الأساس". في هدف "التعليم" هناك "توجه" نحو استخدام "التقنية الرقمية" في تطويره وجعل نطاق وصوله واسعا بتكاليف أقل، كما تحدثنا في مقالات سابقة. وفي هدفي "العمل المناسب" و"الصناعة والابتكار والبنية الأساس" هناك مستهدفات تهتم بتوسيع نطاق النفاذ إلى "الإنترنت" وما يرتبط بها؛ وأخرى تركز على تفعيل "الابتكار وريادة الأعمال" والاستفادة من "التقنية الرقمية" في تحقيق ذلك.
ونصل الآن إلى أهداف "المسؤولية والعدالة" التي تركز على قضايا "الإنتاج والاستهلاك، والسلام والعدل وأداء المؤسسات، والمساواة بين الجنسين، والحد من عدم المساواة". في قضية الإنتاج والاستهلاك، تمكن التقنية الرقمية من وجود تواصل مباشر بين المنتج والمستهلك، ما يسهل التعامل بينهما ويلغي أعباء الوساطة جاعلا السوق أكثر شفافية، أداء العمل أكثر كفاءة وفاعلية. وفي قضية "السلام والعدل وأداء المؤسسات"، يسهم استخدام التقنية الرقمية في تقديم خدمات المؤسسات الحكومية للجميع في تحقيق ذلك. وفي "المساواة بين الجنسين"، هناك "توجه يقضي باستخدام التقنية الرقمية في تعزيز إمكانات توظيف المرأة، ولعل من فوائد ذلك تمكينها من العمل عن بعد. وفي قضية "الحد من عدم المساواة"، تسهم التقنية الرقمية في تمكين الجميع من الحصول على المعلومات أينما كانوا، من الثبات في المكان ومن الحركة أيضا، ما يعزز المساواة بين الجميع.
في الختام يأتي موضوع "الشراكة والتعاون الدولي" في هدف واحد يرتبط بمستهدف يقضي بالتعاون العلمي والتقني، وبتعزيز بناء القدرات البشرية والإبداع والابتكار، واستخدام التقنية بفاعلية، وبصورة خاصة التقنية الرقمية وما يرتبط بها من إمكانات متجددة.
خلاصة القول إن "العالم السيبراني" بما يحمل من تقنية رقمية متطورة يعطي وسيلة رئيسة متجددة لتفعيل التنمية وتعزيز استدامتها في شتى مجالات الحياة. وقد قام هذا المقال ببيان هذا الأمر من خلال "أهداف التنمية المستدامة على مستوى العالم" ومستهدفاتها وتوجهاتها كي يعطي صورة واسعة النطاق "لمشهد التنمية المستدامة على مستوى العالم وارتباطها الوثيق بالتقنية الرقمية والعالم السيبراني". ولعله من المفيد الاهتمام بموضوع "العالم السيبراني" وتطبيقاته وخدماته والإبداع والابتكار فيها، في جميع "دراسات التنمية المستدامة" المستقبلية، وما يرتبط بها، من أجل تعزيز فاعلية هذه التنمية ودعم كفاءتها. ولا شك أن توجه المملكة الواضح نحو "التحول الرقمي" يصب في هذا الاتجاه.

إنشرها