توقعات نمو الاقتصاد العالمي 2019

|


مختصر كلام جهات عالمية معتبرة كصندوق النقد الدولي ومجلس الاحتياطي الأمريكي Fed والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي OECD وجهات بحثية أخرى مرموقة - توقع حصول نمو اقتصادي في العالم هذا العام، لكنه أقل بنحو 10 إلى 25 في المائة من البيانات الأولية لما حصل العام الماضي. وتشير أغلب تلك الجهات إلى أن ما حصل العام الماضي يدور حول 3.5 في المائة.
وهنا أشير إلى كتابات ومقاطع انتشرت بين كثيرين تنذر بالويل والثبور لاقتصاد العالم هذا العام 2019. ويغلب على المتحدثين في هذه المقاطع ضعف العمق العلمي المناسب للموضوع، واتباع الهوى، وهو باختصار الأخذ بما يشتهي الواحد من أدلة وتجاهل ما عداها.

لماذا توقعت الجهات المعتبرة السابق ذكرها نموا أقل؟
هناك عوامل يشهدها العالم تعمل على خفض معدلات النمو الاقتصادي العالمي. ومن هذه العوامل تصاعد الحواجز التجارية، وربما كان أشهرها ما اتخذته الولايات المتحدة مع العالم، وهي سياسات تؤثر سلبا في نمو اقتصادات كبيرة وكثيرة، ويبدو أن كثيرا من دول العالم ترغب في تطبيقها لنفسها أسوة بالولايات المتحدة. كذلك يلاحظ انعكاس مسار التدفقات الرأسمالية التي كانت تتجه إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة.
العالم يشهد شكوكا أقوى في السياسات المتخذة، وهناك توجه شعبي عالمي ذو نزعة قومية، يميل إلى فقد الثقة بالأحوال والقواعد الاقتصادية التي سادت خلال السنوات الـ40 أو الـ50 الماضية. يرمي هذا التوجه باللوم على ما شهده العالم خلالها من تطورات في العولمة والتقنية، التي أخلت بأعراف سادت من قبل؛ فالفجوة بين الناس في الأجور والثراء زادت، ونمت اقتصادات دول على حساب دول، وتلك تعمل على دعم كثيرين للحمائية، ليس فقط من الواردات السلعية، بل أيضا من الهجرة، باعتبارها مهددا قويا لفرص الحصول على وظائف. كثير من هذا الكلام صحيح، لكن لكل فعل رد فعل؛ أي أن اتخاذ سياسة معاكسة ليس بلا ثمن.
الملامات السابقة حملت كثرة من البريطانيين على التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي حال تم في آذار (مارس) من هذا العام، فستكون له تكاليف.
ساعد على تحقيق نمو جيد نسبيا العام الماضي استمرار زيادة الدفعة التنشيطية من المالية العامة في الولايات المتحدة خاصة، والمعروفة بالتيسير الكمي. أما الإجراءات الدولية التي تحد من حركة التجارة الدولية ولها انعكاسات سلبية على اقتصادات دول كثيرة، فقد كانت في بدايات تطورها. أما عام 2019 فالمتوقع تحقيق نمو أقل بوضوح، فمن جهة تعمل أمريكا على خفض دفعاتها التنشيطية من المالية العامة، ومن جهة أخرى يتضرر نمو اقتصادات دول كثيرة من الإجراءات التجارية التي بدأت تنشط أخيراً. وتدخل في هذه الإجراءات التعريفات الجمركية التي فرضت على سلع مستوردة قيمتها مئات المليارات من الدولارات سنويا. وكانت موضع تعليق ساخر من بول كريجمان عالم الاقتصاد الشهير الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد؛ حيث أشار إلى أن سياسة فرض التعريفات تقابلها سياسة لخفض أضرار هذه التعريفات، ثم تأتي سياسة خفض أضرار الخفض السابق، وهكذا في متوالية.
خفض توقع النمو الاقتصادي طال أيضا منطقة اليورو والمملكة المتحدة، عقب تطورات مفاجئة أضرت بالاقتصادات الأوروبية خلال العام الماضي.

ماذا بشأن مجموعة اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية؟
ليس هناك علامات على حدوث ركود اقتصادي، وإنما النقاش في مدى قوة النمو.
رفع صندوق النقد الدولي من توقعاته في النمو الاقتصادي لكثير من البلدان المصدرة للطاقة في ضوء ارتفاع أسعار النفط النسبي مقارنة بالأسعار في 2016 و2017. وهذا يعني أن بقاء هذا التوقع مرهون باستمرار هذا الارتفاع معظم السنة. أما إذا بقي يراوح مكانه كما هو هذه الأيام، فإن الشك في تحقيق هذا النمو يزيد.

ماذا بشأن أسواق صاعدة غير نفطية؟
خفض الصندوق توقعات النمو للأرجنتين والبرازيل وإيران وتركيا وبلدان أخرى؛ انعكاسا لعوامل تخص كل بلد، إضافة إلى توقع انخفاض في الاستثمارات الدولية والأوضاع المالية، مقرونة بتوترات جغرافية - سياسية، وارتفاع تكلفة النفط المستورد.
وكذلك متوقع أن يشهد النمو شيئا من الانخفاض في عدد من الاقتصادات الآسيوية وعلى رأسها الصين هذا العام. والسبب الأكبر الإجراءات التجارية المعلنة أخيرا.
ما زالت أوضاع الأسواق المالية في الاقتصادات المتقدمة متأثرة برفع سعر الفائدة، ومحاولة إيقاف التيسير الكمي النقدي. وقد يزيد هذا التأثر إذا زادت التوترات التجارية، وضعفت ثقة الناس بالسياسات، كالسياسة النقدية. الاقتصاد الأمريكي في حالة ما يسمى مستوى التشغيل الكامل أو حتى أعلى منه، لكن هذا الوضع عرضة لمشكلات. مثلا، ارتفاع توقعات المستثمرين حول التضخم يعمل على قيام بعضهم بإعادة تقييم المخاطر. ويمكن أن يتسبب تشديد الأوضاع المالية في الاقتصادات المتقدمة في تعديلات مربكة في المحافظ الاستثمارية، وحركات في أسعار الصرف، ومزيد من التخفيضات في التدفقات الرأسمالية الداخلة إلى الأسواق الصاعدة، ولا سيما التي تعاني مواطن ضعف أكثر من غيرها.
ونقل عدد من الصحف المشهورة عن كيفن هاسيت، رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض، قوله إن "الحرب التجارية الأمريكية - الصينية قد تقود إلى أن يرى عدد أكبر من الشركات عوائد وأرباحا منخفضة هذا العام".
من المتغيرات الأخرى طبيعة النقود وثورة التقنية المالية. هناك رياح الرقمنة التي بدأت تهب على العالم. هل ينبغي للبنوك المركزية إصدار عملات رقمية ذات طبيعة افتراضية؟ وكيف ضمانها؟ موضوع طويل خارج المقال.

إنشرها