مقاربة لأوضاع المتقاعدين

|


يواجه كثير من المتقاعدين ظروفا صحية واقتصادية تستدعي مقاربة رعائية تخفف أعباء تكاليف العلاج والسكن المتزايدة التي بدأت تجور على أرقام ميزانياتهم المحدودة، وهم لذلك بحاجة إلى دعم الحكومة الرشيدة التي ما فتئت تقدم لأبنائها العاملين السابقين واللاحقين كل الدعم والمساعدة، غير أن بعض الأنظمة التي لها علاقة بالمتقاعدين لم تعد صالحة للاستمرار في ظل ظروف اقتصادية وحياتية متغيرة، وأول هذه الأنظمة نظام التأمين، ثم أنظمة البنوك المتعلقة بالقروض، وحتى نظام الخدمة المدنية. إن أنظمة التأمين تقف ممن بلغ الـ60 عاما موقف الرفض الكامل، أي أن كل مواطن بلغ الـ60 عاما، فإنه يفقد أهم شرط من شروط التوقيع على بوليصة التأمين على الصحة، أو التأمين على البيت، أو التأمين على الحياة، وعليه أن يلقى مصيره المحزن مع ثلة من الأمراض التي ورثها في فترة قيامه بمهام الوظيفة، كما أن المواطن الستيني يفقد أهم شرط من شروط اللياقة النظامية المؤدية إلى الحصول على قرض لبناء مسكن أو شراء سيارة أو ثلاجة أو حتى دراجة، وهكذا فإن الإنسان بمجرد بلوغه سن الـ60 فإنه يقصى من المزايا الرحيمة والكريمة للإنسان، وهو الذي شرفه الله سبحانه وتعالى بخدمة أمته ومجتمعه!
نعم كل هذه الأنظمة تتخذ موقفا سلبيا من الموظف الستيني، ونعرف جميعا أن الموظف الذي يبلغ الـ60 ربيعا يحتاج إلى مزيد من رعاية المجتمع، لأن رعاية المواطن إذا كانت مطلوبة حينما يكون على رأس العمل، فهي واجبة بعد أن يحال إلى التقاعد.
البعض يقول إن قوانين القروض والتأمين التي تطبقها المصارف وشركات التأمين في المملكة هي القوانين السائدة في كل أنحاء العالم، وإذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نتمنى أن نكون حريصين على تطبيق قوانين تتعارض مع نظامنا الإسلامي الخالد ولا تراعي أبسط قوانين حقوق الإنسان وتتنكر لموظف أفنى زهرة شبابه في أدائه لعمله أيام الصحة والنضارة والعز، وما نعرفه يقينا أن الغرب يميز الموظف المتقاعد بكثير من المزايا والعطايا ولا يتركه يغرد وحيدا في العوز والفاقة والحرمان.
ومن منظور إسلامي بين القرآن الكريم مراحل حياة الفرد، وجعل الشيخوخة هي المرحلة الأخيرة من حياة الإنسان الدنيوية وقال تعالى: "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون"، وورد في السنة النبوية الشريفة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عمر أمتي من ستين إلى سبعين سنة".
أحد الأصدقاء ممن بلغ الـ60 عاما جاءني حانقا وفي يده "بروشور" من أحد البنوك، وفي صدر "البروشور" امتشقت عبارة "وطن واحد، عائلة واحدة، بنك واحد"، وقال صاحبي كنت في البنك البارحة، فأعطاني الموظف "بروشور" لبطاقة جديدة تحمل عنوان "تيسير"، وفهمت من البطاقة أنها تستهدف "التيسير" على الناس في عيشهم ومعاشهم، وفرحت بالـ"بروشور" وأخذته من الموظف، ثم بدأنا نتحدث عن استحقاقات الحصول على هذه البطاقة، ومن أول وهلة صدمني الموظف قائلا، إن هذه البطاقة متاحة لكل الفئات العمرية إلا من بلغ الـ60 عاما.
وأصبت بصدمة في الحال، وحاولت أن أسترخي حتى أكون جاهزا للرد بهدوء، ثم قلت: حتى التخفيضات في الخدمات والمشتريات تنحي الستيني جانبا. لماذا نغتال إنسانيتنا ووجودنا، ثم رفع صاحبي نبرة صوته المرتعشة، وقال كنت أتمنى ألا تأتي هذه "الـ60" المدمرة إلا بعد أن ندفن في جوف الأرض، وختم صديقي حديثه قائلا، حتى حينما نطلق الشعارات إنما نطلقها وهي فارغة من محتواها وليس فيها فعل يعبر عن الوطن الواحد، والعائلة الواحدة، والبنك الواحد.
إن هذه القصص التي أصبحت تتزايد مع تزايد قوافل المتقاعدين تحتاج إلى البحث عن حلول، إذ إن التأمين على الصحة هو أحوج ما يكون إليه الستيني قبل غيره من الذين لا يزالون ينعمون بربيع أعمارهم، وإن القروض لتأمين السكن هي أجمل هدية يجب أن نقدمها للستيني الذي خدم مجتمعه نحو 40 عاما، وإن البيع بالتقسيط سياسة بيعية وترويجية يجب أن تقدم مع الشكر الجزيل إلى الستيني قبل أن تقدم إلى العشريني أو الثلاثيني.
إن الأنظمة التي ورثها المتقاعدون السعوديون عبر عقود من الزمن يجب أن تصحح كما صحح كثير من الأنظمة الأخرى.
إننا نلتمس من حكومتنا الرشيدة أن تضع يدها الحانية على جميع قضايا المتقاعدين وتعالجها حتى يسود الرخاء والخير في كل ربوع مجتمعنا السعودي الذي ينعم ولله الحمد بكثير من تباشير الحياة الكريمة في عهد ملكها المفدى سلمان بن عبدالعزيز متعه الله بالصحة والعافية.

إنشرها