الموهبة المخبوءة

|

انتدبت قبل عدة سنوات إلى جهة عمل جديدة. كانت تجربة عملية ثرية. استمتعت في بدايتها بإمكانات الزملاء. يعملون بإتقان وصرامة كبيرين. لكن مع مرور الأيام وزوال عديد من الحواجز بيننا، زاد إعجابي بهم أكثر. كلما انفردت بأحدهم، اكتشفت موهبة يضمرها، ترفع من أسهمه وتقديره في داخلي. اكتشفت مصادفة خلال إحدى استراحات العمل أن زميلي يقرأ كتابا باللغة الفرنسية. وتأكدت لاحقا أنه يتحدثها بطلاقة. سألته من أين له هذا؟ خاصة أنه متخصص في تقنية المعلومات وليس الأدب الفرنسي. فتدفق كموجة مبتهجة. سرد لي تجربته مع اللغة الجديدة. أخبرني أنه بعد أن تخرج في الجامعة التحق بوظيفة ليوفر تكلفة الدراسة في معهد متميز في ضواحي باريس، نظرا إلى شغفه بتعلم هذه اللغة. استطاع خلال عامين من العمل الدؤوب أن يحقق مبتغاه. جمع التكاليف المطلوبة وطار إلى فرنسا بعد أن أخذ إجازة بلا مرتب بعد عناء. ظل هناك نحو ثمانية أشهر ثم عاد إلى عمله. كان يؤدي عمله بجد، لكن بعد خروجه من الدوام يكرس وقته لتطوير لغته الجديدة وممارستها. يلتقي فرنسيين يعملون في إحدى الشركات في الرياض. ويشاهد أفلاما ويقرأ كتبا فرنسية. له سبع سنوات على هذا المنوال. اليوم يتقنها بمهارة وتدر له دخلا إضافيا بسبب استشارات وأعمال ترجمة. والأهم من الدخل هو الرضا والسعادة التي تكسوه. كنت أنظر إليه بإعجاب. بيد أن الإعجاب زاد بعد أن تعرفت عليه عن كثب وسبرت أغوار شخصيته البديعة. تعمقت علاقتنا كثيرا وتطور تعاوننا في العمل في ضوء ذلك. بعد نهاية اجتماع، سألت زميلا آخر عما يقوم به وقت فراغه. أخبرني أنه مفتون ببرمجة التطبيقات، وأسس مع أصدقائه أربعة تطبيقات يتفاوت نجاحها. فوجئت أنه مبرمج ماهر رغم أننا نعمل معا في المكتب نفسه لمدة عام كامل دون أن أعلم شيئا عن موهبته تلك. فهو يقوم بمهام عمله الإعلامي بكفاءة ولم يتحدث قط عن تجربته في البرمجة. هذا الحديث الجانبي جعلنا نعمل معا مستقبلا في مشاريع مشتركة استفاد منها عملنا واستفدنا منها في تطوير قدراتنا.
أضاءت فكرة في رأسي بعد الموقفين السابقين أن نخصص ساعة كل أسبوع للتعرف على زملائنا. لنعرف عنهم ما لا نعرف. وافق عليها المدير. أسمينا البرنامج "اكتشف زميلك". ساعدنا هذا البرنامج على معرفة زملائنا كأننا نتعرف عليهم للمرة الأولى. امتلأت صدورنا بالفخر بهم ومكاتبنا بالحيوية.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها