«هيئة التجارة».. لتعزيز الأسواق والتنافسية

|


عند الحديث عن إنشاء أي جهاز حكومي جديد لا بد أن نضع "رؤية المملكة 2030"، وهذا طبيعي جدا، بل صحي أيضا، وهذه «الرؤية» بخططها وبرامجها هي التي تقدم التفسيرات المنطقية لأي جهاز ومهامه أو إعادة تشكيله، وهنا نشير إلى إنشاء هيئة التجارة الخارجية، التي صدر بشأنها قرار مجلس الوزراء. فقد جاءت "الرؤية" لتضع نمو الصادرات وتنوعها كأحد أهم برامجها، وهنا – بالتحديد - نذكر برنامجين أساسيين من ضمن برامج "رؤية 2030"، هما برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية، وبرنامج ريادة الشركات الوطنية. وخلال عام 2018 صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، على تحفيز الاقتصاد في القطاع الخاص بقيمة 200 مليار ريال ليتم دعم مبادرات التصدير من بين برامج ومشاريع أخرى للدعم، وتم كذلك إنشاء بنك للصادرات برأسمال يبلغ 30 مليار ريال، وهذا يعني أن أمام التجارة الخارجية للمملكة تحديات إدارية ولوجستية كبيرة لتحقيق هذه التطلعات الكبيرة، فالمعروف أن التجارة الخارجية تواجه تحديات كبيرة، من بينها فهم ومقابلة القوانين والأنظمة المختلفة، سواء الدولية التي تتعلق بالتجارة الدولية وفتح الأسواق والتنافسية، وهذا بالتأكيد له أثر سلبي في الصناعة المحلية إذا لم يتم مقابلة ذلك بشكل جيد، والمبالغ المرصودة اليوم لهذه المهمة كافية ولكن تحتاج إلى إدارة فاعلة لها لتحقق مستهدفات برامج «الرؤية».
وهنا نجد أن قرار مجلس الوزراء بشأن إنشاء هيئة التجارة الخارجية قد حدد لها عدة مهام، أبرزها حماية المنتجات الوطنية من التنافسية الضارة التي قد تفهم خطأ من الاتفاقيات الدولية، وأخطر هذه الممارسات هو الإغراق، حيث تستغل بعض الشركات العالمية الفروق في تكلفة الأصول بين الدولة المصدر إليها وبين دولة المنشأ وتقوم بتخفيض أسعار منتجاتها في الأسواق إلى ما دون سعر التكلفة، وهو ما يتسبب في إغراق السوق بالمنتجات الأجنبية لرخصها المؤقت، وهذا يؤثر دون شك في صعوبة تسويق الصناعات المحلية، التي تواجه مثل هذه الممارسات، فدور هيئة التجارة الخارجية هو تلقي شكوى الصناعيين السعوديين ومن ثم دراسة الحالة والبدء في الإجراءات والتدابير التعويضية والوقائية.
وفي الأسواق الخارجية والدولية تواجه بعض الشركات السعودية تهم الإغراق وليس ذلك بسبب خفض الأسعار إلى ما دون التكلفة بهدف إخراج المنافسين من الأسواق، بل لأن قدرات الشركات السعودية على السيطرة على التكاليف أفضل، وهذا فرق جوهري، لكن إقناع المنظمين والمراقبين والهيئات المماثلة في الدول الأخرى يحتاج إلى جهد كبير في التفاوض وإبرام الاتفاقيات التجارية والاستثمارية لتمكين النفاذ إلى الأسواق وتعظيم مكاسب المملكة الدولية، والحد من المعوقات التي تواجه المصدرين والمستثمرين السعوديين في الخارج وتقديم الخدمات والدعم اللازم لهم عبر الملحقيات التجارية.
ومن مهام الهيئة أيضا تمثيل المملكة لدى منظمة التجارة العالمية والمنظمات الدولية، وهذه مهمة أساسية وحديثة في المنظمات والحكومات، فهي تعنى بمدى التزام المملكة في الاتفاقيات الدولية، كما أنها تدافع عن حقوق المملكة بهذه الاتفاقيات، وهذه المهمة كانت تضطلع بها وزارة التجارة، لكنها تحتاج إلى تخصصية عالية ومرجعية كبيرة، ولهذا فإن الهيئة الحديثة ستكون أكثر دراية وتخصصية بمثل هذه المفاوضات الدولية التي قد تكون صعبة ومؤثرة في الاقتصاد والصناعة المحلية بشكل جوهري، خاصة إذا تطلب الأمر رفع الدعم وفتح الأسواق، وهذا يتطلب التنسيق مع الجهات الحكومية في فهم ومقابلة وتنفيذ مثل هذه الاتفاقيات والمعاهدات، ووضع السياسات التجارية والاستثمارية للمملكة بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة والقطاع الخاص، وتعزيز استفادة ومشاركة القطاع الخاص في التجارة الخارجية.

إنشرها