FINANCIAL TIMES

فن الخطابة .. كيف تتغلب على الخوف وتواجه الجمهور؟

سوزان كين، الكاتبة الأكثر مبيعا، تصف عاما ألقت خلاله خطابات "خطيرة" وأجرت مقابلات إذاعية وتلفزيونية، بأنه كان ماراثونا متواصلا. خط النهاية؟ إلقاء خطاب في مؤتمر "تيد توك" TED Talk أمام جمهور مكون من 1500 شخص، بدون ملاحظات معدة مسبقا.
مع اقتراب وقت الخطاب، كانت مؤلفة كتاب "الهدوء: قوة الانطوائيين في عالم لا يستطيع التوقف عن الكلام" Quiet: The Power of Introverts in a World That Can’t Stop Talking ، تُعاني أرقا. كتبت عن ذلك في مقالة "أفضّل الموت على الاستيقاظ وإلقاء هذه الكلمة".
عاشت كين لإلقاء كلمتها. في النهاية حظيت بتصفيق متواصل "على الرغم من أنها لا تتذكر ذلك لأنها كانت تشعر "بخدر كبير"، وفيديو الخطاب انتشر بسرعة كبيرة على الإنترنت.
القلق بشأن التحدث أمام جمهور أمر شائع، حتى بالنسبة إلى المحترفين المخضرمين. جيري ساينفيلد، الممثل الكوميدي الأمريكي، قال في مشهد روتيني انفرادي على المسرح "الخوف رقم واحد للأشخاص هو التحدث أمام جمهور. رقم اثنان هو الموت "..." هذا يعني للشخص العادي، أنك إذا ذهبت إلى جنازة، فأنت أفضل حالا حين تكون في التابوت من تأبين الميت".
إيما واتسون التي ترعرعت على مرأى من الجمهور عندما كانت تلعب دور هيرميوني في أفلام هاري بوتر، اعترفت بأنها تشعر بالقلق قبل إلقاء كلمة أمام الأمم المتحدة. عندما أطلقت حملتها النسوية HeForShe، كان صوتها ويداها يرتجفان. قالت في مقابلة، "كنت متوترة جدا. لم يكُن ذلك أمرا سهلا بالنسبة إلي".
فيف جروسكوب، المؤلفة التي تُدرّب رجال الأعمال على التحدث أمام جمهور، تتحدث عن القلق والضعف في كتابها "كيف تستحوذين على انتباه من في الغرفة: النساء وفن التحدث المتألق" How to Own the Room: Women and the Art of Brilliant Speaking ، تكتب أن النصيحة التقليدية لا تُساعد الأشخاص على الوصول إلى المرحلة التي يرون فيها أن بإمكانهم "فعلا إلقاء خطاب في الواقع وليس فقط في مخيلتهم". لفعل ذلك عليهم إيجاد الفرص "يوجد كثير منها عندما تبدأ البحث". والقبول بأن "التوتر والقلق هما جزء من الحياة".
جروسكوب شخصية متحمسة – كما يتناسب مع شخص هو أيضا كوميدي يؤدي أمام جمهور. التقيتها لأنني أريد بعض النصائح ربما لشفائي من التملّص من أي شيء يحتوي على مسرح أو منبر. أو، لأكون صريحة، حتى قول بضع كلمات عن أحد الزملاء المغادرين.
أنا أكره القلق الذي يؤذي المعدة والخوف من الجفاف. لكنني أيضا أكره القيود التي تحول دون الحديث. أعرف أن الإقدام على ذلك هو الطريقة الوحيدة للتغلب على الخوف.
رغم المظاهر التي تدل على عكس ذلك، إلا أني وأنا في سن 21 عاما كنت خجولة جدا لدرجة كان علي معها أن أتحدّى نفسي للتحدث في اجتماع – شيء واحد فقط، أي شيء. وشيئا فشيئا أصبح الأمر أسهل حتى إنني نسيت الأمر تماما. الشيء نفسه حدث عند حديثي في الإذاعة والملفات الصوتية الرقمية.
تقول جروسكوب "إن الشعور بالغثيان والقلق ليس سببا مقبولا للقول "لا" لمناسبات التحدث أمام جمهور".
"الشعور بالقلق هو مجرد علامة على أنك بشر". مع أنها لا تؤمن بإمكانية إقناع الجميع بأن يُصبحوا متحدثين أمام الجمهور، إلا أنها تعتقد أن الجميع عليهم الاستعداد لقليل من التحدث أمام جمهور في العمل.
بحسب تعبير كريس أندرسون، المسؤول عن TED Talk "مهارات العرض والتقديم ليست خيارا إضافيا لعدد قليل من الأشخاص. إنها مهارة أساسية للقرن الحادي والعشرين".
معظم الناس يعملون في وظائف تتطلب الحديث أمام جمهور. في المكاتب، يجب على التنفيذيين تقديم عرض لفريقهم، أو شرح وجهات نظرهم في الاجتماعات، أو إجراء مقابلة أمام لجنة.
تغيرت الوظائف. في السابق كانت كتابة الروايات، مثلا، وظيفة جيدة للأشخاص الخجولين بشكل مزمن. لم تعد كذلك. اليوم يحتاج الروائيون إلى الخروج من أبراجهم العاجية واقتحام الدورة الأدبية للإعلان عن كتبهم.
هل أنا متوترة لأنني امرأة؟ ربما. النساء عُرضة للانتقاد الذاتي، كما تقول جروسكوب، مشيرة إلى أنهن أيضا يتعرضن للاعتراض والتدقيق باستمرار. "النساء يخشين التعرض للإحراج".
السبب الذي جعلها تكتب الكتاب للنساء هو أنهن لا يحظين بالاهتمام عندما يتعلق الأمر بالمشورة في هذا المجال. تكتب جروسكوب "تقريبا جميع الكتب على الإطلاق التي كُتبت عن التحدث أمام جمهور وإلقاء الخطابات كانت عن الرجال، من تأليف الرجال وللرجال".
بالنسبة إلى أي متحدث أمام الجمهور، ذكرا أو أنثى، كما تقول جروسكوب، المفتاح هو تطوير "ثقة كافية في نفسك بحيث إنك إذا أخطأت في فهم شيء معين فستعمل على تشكيل الأمر بطريقة مختلفة. سيقول بعضهم (فهمَتْ الأمر بشكل خاطئ، يا لها من غبية)، بينما آخرون لن يفعلوا".
في التدريب الفردي، عادة ما تُناقش جروسكوب الحواجز النفسية، والتجارب السابقة، والعمل على الصوت، والعرض، والوتيرة، والوقفة. قبل الخطاب تتأكد من أن عملاءها تدربوا كثيرا.
هناك نصيحة جيدة هي دراسة المتحدثين الذين تُعجب بهم – لكن أيضا فهم العمل المتضمن للوصول إلى ذلك المستوى. بحسب جروسكوب، يجب أن يمنح الناس أنفسهم الإذن للتحسن. الأمر ليس مجرد خطاب واحد. دائما ما ستكون هناك فرص أخرى.
لا يستطيع أي شخص أن يكون رقيقا، أو فصيحا وواثقا مثل ميشيل أوباما. رغم المظاهر التي تدل على عكس ذلك، حتى ميشيل أوباما لم تكن دائما ميشيل أوباما. لكي تكون لامعة كما هي اليوم، كان عليها أن تتدرب وتتدرب، بمساعدة فِرق من المدربين ومختصي الاستراتيجية.
المفتاح، كما تقول جروسكوب، هو العثور على أسلوب العرض الخاص بك بدلا من الاعتقاد أن عليك مطابقة شخصية معينة. بعض القلق الذي يشعر به الناس يأتي من الشعور بعدم الاقتناع بالرسالة التي عليهم نقلها. في مكان العمل، هذا قد يكون علامة على أن وظيفتهم ليست مناسبة.
وجود شيء ترغب في قوله فعلا هو المفتاح. كما قالت واتسون عن خطابها أمام الأمم المتحدة "واصلتُ إعادة قراءة الخطاب في اليوم السابق وأسأل نفسي (هل أؤمن بهذه الجملة؟‘ والجواب دائما كان نعم)".
الناس لديهم أيضا توقعات غير واقعية حول التحدث أمام جمهور. تقول جروسكوب "لن تكون على مستوى مارتن لوثر كينج "..." إذا طُلب منك تقديم تقرير التسويق للربع الرابع. ما عليك سوى أن تؤدي عملا لائقا وعدم الشعور بالغثيان".
جروسكوب ترى كثيرا من النساء يرتكبن خطأ الإفراط في تحضير آليات خطاباتهن – ماذا سيقلن، أي الصفحات من العرض سيستخدمن. نصيحتها؟ "ينبغي لكن إصلاحها في وقت مبكر من عملية الإعداد وإبقائها عند أقل قدر ممكن".
تماما مثلما نصحَتْ كوكو شانيل النساء بخلع قطعة مجوهرات قبل الخروج من البيت، كذلك الأمر مع الخطابات – يجب تقليصها.
إذا كنت مثلي، تعتزم التحدث أمام جمهور في عام 2019، تنصحك جروسكوب بالعثور على حافز، مثل أن تبرهن لنفسك أنك أفضل مما تعتقد. تقول "إذا كان هذا الأمر يقض مضجعك، ويجعلك تشعر بالضآلة كونك ترفض الحديث، فحدد لنفسك التحدي المتمثل في أن تقول نعم للأمر خلال فترة ستة أشهر. دوِّن ملاحظات مفصلة عن الطريقة التي تشعر بها.
أخيرا، تذكر الصورة الكبيرة". تقول جروسكوب "لا أحد سيتذكر هذا. الأمر المحزن هو أن هذه الأمور ليست بذات بال".
فيما يلي خمس نصائح من جروسكوب: أولا، اكتب الأعذار التي تُقدمها لنفسك عن عدم التحدث. ما معتقداتك التي تُحدد ذاتك؟ عليك إعادة قراءة هذه وبعد ذلك كتابة حقيقة معاكسة. مثلا، بدل جملة "ليس لدي صوت قوي" اكتب "يُمكنني العمل على تعزيز صوتي".
ثانيا، اختر موضوعا يهمّك بما فيه الكفاية، لكي تكتب عنه خطابا. اكتب خمس عبارات تناسب الموضوع، محاولا إقناع الجمهور لماذا يجدر به أن يهتم بما تطرحه، من ثم ألقِ هذا الخطاب – ربما من خلال تسجيله ونشره على الإنترنت، أو في حفلة.
ثالثا، اعمل على الإيمان بنفسك. امنح نفسك دقيقتين لكتابة عشرة أشياء أنجزتها تجعلك فخورا بنفسك. اضبط التوقيت على 20 دقيقة واكتب 40 شيئا آخر. ثم أعِد قراءة القائمة.
رابعا، شاهد وحلل أساليب المتحدثين. اعثر على المتحدثين الذين تحبهم على "يوتيوب" وعلى موقع TED Talk وحاول معرفة ما الذي يجعلهم ناجحين.
خامسا، ابحث عن فرص للتحدث. تدرب على أنواع مختلفة من التحدث. لا تجعل التجربة السيئة تؤثر فيك.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES