الاسترليني .. وتزايد ضغوط البريكست

|


يتعرض الجنيه الاسترليني للضغوط منذ الأشهر الأخيرة من العام الماضي، بعد أن خسر أكثر من 20 في المائة من قيمته أمام الدولار واليورو في أعقاب الاستفتاء الشعبي الذي أفرز تصويتا على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.
وهذه الضغوط الحالية كانت متوقعة، ليس فقط بسبب الانسحاب المشار إليه، بل أيضا لأن الخلافات الحادة على الساحة البريطانية حيال الانسحاب تتعاظم، وتأخذ شكلا غير مسبوق في التاريخ البريطاني، بما في ذلك استهداف رئيسة الوزراء تريزا ماي بعزلها من زعامة حزب المحافظين، وسعي مجلس العموم إلى السيطرة على ملف الانسحاب بدلا من الحكومة نفسها. ورغم أن ماي نجحت في البقاء في السلطة، إلا أنها تضعضعت كثيرا، ما أثر سلبا بالطبع في وضعية العملة البريطانية.
وشهد الاسترليني تراجعا لافتا جدا في اليوم الثاني من العام الجيد، على الرغم من أن المصانع والمؤسسات التجارية وغيرها بدأت تأخذ احتياطاتها في مسألة المخزونات، في حال فشلت لندن في الوصول إلى اتفاق خروج سلس، وهو نفسه الاتفاق الذي تسعى رئيسة الوزراء ماي إلى الحصول على موافقة مجلس العموم عليه. تبقى القضية سياسية، بمعنى أنه لا بد من وصول بريطانيا إلى تفاهم مع نفسها أولا حول الانسحاب، قبل أن يستقر الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة، بما في ذلك العملة الوطنية، التي أدى تراجعها الكبير إلى ارتفاع الأسعار، ولا سيما أن بريطانيا تستورد ما لا يقل عن 60 في المائة من موادها الغذائية من الخارج، خاصة من القارة الأوروبية.
لا شيء سيوقف الجنيه الاسترليني عن التراجع أو الاهتزاز، ولا شيء سيعزز وضعيته سوى خروج من الاتحاد الأوروبي باتفاق واضح، وتحديدا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بالفعل بين بروكسل ولندن.
من هنا من المتوقع أن نشهد مزيدا من الضغوط على هذه العملة في الأسابيع القليلة المقبلة، حتى الموعد النهائي للخروج وهو آخر شهر آذار (مارس) المقبل. ولن تتفادى هذه العملة انخفاضها على الإطلاق في ظل المعارك السياسية الداخلية في بريطانيا بين أولئك الذين يريدون الخروج من الاتحاد بأي شكل من الأشكال، حتى لو كان خروجا بلا اتفاق، وبين من يعتقد أن خروجا بلا اتفاق هو في الواقع انتحار للمملكة المتحدة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي أيضا.
ولا توجد مؤشرات حتى الآن على إمكانية أن يواصل الجنيه الاسترليني التماسك في المرحلة المقبلة. ورغم أن العالم يعرف أن بريطانيا ستنسحب من الاتحاد الأوروبي، إلا أن أحدا لا يعلم حتى اللحظة كيف سيكون هذا الانسحاب، وما الأطر العامة له، باستثناء الاتفاق المشار إليه، وهو اتفاق أثار من الانقسامات والخلافات الداخلية الكثير، إلى درجة أن نوابا للمحافظين في مجلس العموم أعلنوا صراحة أنهم سيصوتون ضده.
وهذا يعني أن الضغوط الكبيرة على الاقتصاد البريطاني ستنهال من كل حدب وصوب، وسيتعرض الجنيه إلى مزيد من التراجع، ناهيك عن إمكانية تعرضه لانهيار جديد سيأكل ما يتبقى من قيمته الحقيقية.
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في التاريخ البريطاني لكل شيء في المملكة المتحدة، وستكون العملة أول الضحايا لأي انسحاب غير محسوب من قبل لندن. إنها مسألة وقت، وهو وقت قصير للغاية.

إنشرها