«بريكست» .. نقل الهم إلى العام الجديد

|


"مجلس العموم قد يوافق على خطة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي"
جيرمي هانت، وزير خارجية بريطانيا


نقلت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تصويت مجلس العموم البريطاني على خطة المملكة المتحدة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، نقلته إلى الشهر الأول من العام الجديد، وهي بذلك أجلت موعد الحقيقة، وأخرت زمن الحسم، ودفعت بالأزمة الناجمة عن الخلافات حول شكل الانسحاب من الاتحاد إلى العام الجديد، بعد أن عرفت أنها لو قدمت خطتها إلى مجلس العموم الشهر الماضي، فستخسر بأغلبية ساحقة، ولا سيما مع الغموض وعدم اليقين الذي يحوط الاتفاق المشار إليه، ولا سيما فيما يتعلق بالموضوع الإيرلندي الذي كان يروج له على أنه هامشي، لكنه بات أكثر محورية من مواضيع أساسية بما فيها الاتفاق الجمركي وحركة التنقل والخدمات المالية، وغيرها من القضايا العالقة، أو لنقل غير الواضحة.
نقل موعد الحقيقة من وقت إلى آخر، لا يقلل من آثارها، سواء كانت سلبية أم إيجابية. صحيح أن ذلك يترك مجالا أمام رئيسة الوزراء لتسويق الخطة بصورة أفضل، وتغيير بعض الآراء المعارضة لها، لكنه أظهر في الوقت نفسه مدى هشاشة هذه الخطة، وحجم الخلاف داخل الحزب الحاكم، بل ضمن الائتلاف الذي يحكم البلاد منذ الانتخابات العامة الماضية. وهذا ما دفع مجموعة من حزب المحافظين الحاكم إلى طرح تصويت على الثقة برئيسة الوزراء قبل أسابيع قليلة من نهاية العام الفائت. مع أنها تمكنت من الفوز في هذا التصويت، إلا أنها خرجت منه مجروحة، لأنه ثبت أن ثلث أعضاء حزبها في مجلس العموم لا يريدونها زعيمة لهم، والسبب يبقى دائما الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أو ما يعرف بـ "بريكست".
أرادت ماي وعدد من أركان حكومتها المخلصون أن تكون أمامها فرصة لتسويق الخطة. ربما تنجح في جذب البعض، لكنها لن تتمكن من أصوات أولئك الذين يعتقدون أن الانسحاب من الاتحاد بلا اتفاق أفضل من الانسحاب منه بهذا الاتفاق الذي تقدمه رئيسة الوزراء. تمديد مدة المناقشة والتصويت بعدها على الخطة يبقى "انتصارا" لماي، لكنه أكثر هشاشة من خطتها نفسها. فالمسافة الزمنية ليست بعيدة، إنها في الـ 14 من الشهر الحالي، وعلى مجلس العموم أن يحسم أمره في ظل تنامي أصوات مهمة وذات ثقل تتحدث عن بدائل، بعضها مدمر وبعضها الآخر يكرس الانقسام الوطني الراهن في المملكة المتحدة، وبعضها يدخل في سياق "الفانتازيا". بعضها يتحدث عن علاقات بريطانية أوروبية على الطريق الكندية، أو على طريقة النرويج، أو على شاكلة تركيا. كلها نماذج لا تلقى في الواقع دعما لا من الانفصاليين ولا من الذين يريدون البقاء في الكتلة الأوروبية.
ورغم أن وزير الخارجية جيرمي هانت الموالي القوي لرئيسة الوزراء يعد في بلاده بأنه من الذين يبدلون آراءهم بسهولة، إلا أن ما قاله قبل ساعات من بدء العام الجديد، أنه يرجح تصويت مجلس العموم على خطة الانسحاب والحصول على أغلبية مؤيدة له، بصرف النظر عن النسبة. وهذا أول تصريح من مسؤول يتحدث عن إمكانية نجاة الخطة، في حين إن هناك شبه إجماع على أنها ستنهار ليس بأصوات المؤيدين أو المعارضين للانسحاب، بل بأصوات الجانبين معا، ما يطرح سابقة لا تتكرر عادة بصورة كبيرة. فالمعارضون لـ "بريكست" يسعون الآن أكثر من أي وقت مضى إلى دفع رئيسة الوزراء إلى الإعلان عن استفتاء جديد يحسم المسألة نهائيا. أما المؤيدون للخروج فيدافعون بكل قواهم على ألا يتم ذلك، خصوصا في ظل مؤشرات على تبدل شريحة مهمة من الرأي العام باتجاه البقاء في الاتحاد الأوروبي.
لكن المرجح في الـ 14 من الشهر الجاري "حتى الآن" أن يسقط اتفاق الانسحاب في مجلس العموم، الأمر الذي يفرض على الحكومة أن تتخذ قرارا سريعا لوقف عملية "بريكست" برمتها. وهذا أيضا ما يدعو إليه المؤيدون للبقاء. فلا يمكن لبريطانيا أن تمضي قدما دون وقف عملية الانفصال، أي أن تطلب رسميا وقف العمل بالبند الـ 50 ضمن اتفاقية لشبونة، الذي ينظم خروج أي دولة عضو من الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أن تبقى بريطانيا لأجل آخر قد يطول ضمن الاتحاد عضوا كاملا تدفع التزاماتها المالية له، إلى أن يتم التوصل إلى صيغة جديدة ما. ولا يبدو أن صيغة أخرى جاهزة أو حتى إن كانت جاهزة، لن يقبل بها الاتحاد الأوروبي، الذي حسم أمره بالخطة التي تسوقها ماي في برلمان بلادها.
واحتمال وقف "بريكست" تحدث عنه ليم فوكس وزير التجارة الخارجية، الذي يعد من أشد المؤيدين للانسحاب من الاتحاد. والأمر بسيط، رسالة إلى المفوضية الأوروبية بوقف العمل بالبند المذكور من اتفاقية لشبونة. كل شيء قابل للتطورات الحاسمة في الشهر الحالي حيال "بريكست". في النهاية، على المملكة المتحدة أن تنسحب فعلا بحلول ليلة الـ 29 من آذار (مارس) المقبل، ولا يمكنها أن تتأخر عن ذلك، إلا إذا طرحت بدائل للخروج لن تكون سهلة، أو إلا إذا رضخت ماي للضغوط الداعية إلى إجراء استفتاء شعبي جديد يحسم كل شيء.

إنشرها