العصر الاصطناعي يقتحم الأسواق

|


في الأيام القليلة الماضية، دفعت بعض شركات تكنولوجيا المعلومات بمجموعة من الفيديوهات الجديدة على منصات التواصل الاجتماعي، وتوضح الفيديوهات أن العصر الاصطناعي بدأ يدق بقوة أبواب الأسواق، وأصبحت منتجاته تنافس المنتجات التقليدية.
لقد شاهد كثير من الناس على مستوى العالم فيديو يوضح كيف تبتاع ربة المنزل بضاعتها من السوبرماركت، وكيف يقوم جوالها بدفع فواتير الحساب دون الحاجة إلى أن تذهب إلى "الكاشير" لتسديد الحساب، كما أن قضية قيام الروبوت بتوصيل المشتريات إلى المنازل بدأت تقوم بعملها بشكل جيد، كذلك أصبحت السيارات ذاتية القيادة تدخل ضمن حركة المرور في شوارع بعض الدول، حتى في مجال الفن التشكيلي، فقد بيعت لوحة فنية صممها أحد برامج الذكاء الاصطناعي في مزاد بقيمة 432 ألف دولار، واللوحة لوجه أدموند بيلامي، وتم إنتاج العمل الفني باستخدام خوارزمية ومجموعة بيانات من 15 ألف لوحة رسمت بين القرنين الـ14 والـ20 الميلاديين. وفي دبي المعروفة بحفاوتها بالعصر الاصطناعي، تعاقدت إدارة الصحة على إنشاء مستشفى الروبوتيك الدولي، الذي يدار بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وسيوفر خدمة التشخيص وإجراء الجراحات المتطورة باستخدام الروبوت والأقمار الصناعية، وممارسة الطب عن بعد. وفي المملكة، ستدخل خمس مدن سعودية قائمة المدن الذكية عام 2030. ولكن في مقابل هذه التكنولوجيا المذهلة، فإن القلق يساور الناس من الآثار السلبية التي سيتركها هذا العصر المثير للجدل، ولذلك فإن بعض شركات التوظيف في الدول المتقدمة بادرت إلى تصميم برامج تدريبية متعددة؛ لتمكين الإنسان من المهارات الجديدة التي بدأ الذكاء الاصطناعي يبرع فيها، ويحقق تفوقا مذهلا على الإنسان، وهذه البرامج ستمكن الإنسان الذكي من العودة إلى سوق العمل، من خلال الوظائف الرقمية التي تتلاءم مع سوق العمل الجديدة.
إذن، المطلوب من الناس جميعا أن يتعلموا كيف يديرون ويستفيدون من هذه التكنولوجيا الجديدة، التي بدأت تفرض سيطرتها وسطوتها في كل أسواق العالم. إنه العصر الاصطناعي الذي يراهن على مستوى من الذكاء يفوق الذكاء الإنساني؛ ما يعني ضرورة أن يكون الإنسان على مستوى التحدي، ويعمل بكل قواه ليكون في مستوى المنافسة والندية مع هذا المنافس الشرس، الذي جاء بتكنولوجيا لم يسبق للإنسان أن واجهها على مدى حياته الغابرة. وهنا نستطيع القول إن الإنسان السعودي - مثله مثل أي إنسان يعيش فوق كوكب الأرض - بدأ يواجه تحديا صارخا من الروبوتات الذكية، التي بدأت بالفعل تنافس الإنسان في كثير من الوظائف، وتؤدي هذه الوظائف بمهارات أعلى وأفضل وأسرع، ولم تترك أمام الإنسان السعودي إلا أن يطور مهاراته بما يتناسب مع ما تطلبه سوق العمل الرقمية.
وأتصور أن الإنسان السعودي لديه من الذكاء ما يجعله يفكر في الاتجاه السليم، والاتجاه السليم هو الوظيفة الرقمية التفاعلية التي تطلبها سوق العمل الرقمية، وإلا فإن المصير هو العطالة، بل البطالة والفشل في المنافسة على الوظائف الفنية المتاحة.
والعلماء يصفون الثورة الصناعية الرابعة بأنها ستكون تسونامي التقدم التكنولوجي، الذي سيغير كثيرا من تفاصيل الحياة البشرية فوق كوكب الأرض، وتتهدد هذه الثورة الرقمية العلاقات الاجتماعية الحميمة بين البشر. إن الذكاء الاصطناعي موجود اليوم في كل مكان حولنا، ولقد تم إحراز تقدم مثير للإعجاب في حقل الذكاء الاصطناعي؛ حيث تم الوصول إلى البصمة الوراثية، واكتشاف أدوية جديدة تقضي على كثير من الأمراض المستعصية التي عصفت بالجنس البشري طوال الدهور الماضية، وفي الوقت نفسه، فإن تكنولوجيا التصنيع الرقمية تتفاعل مع عالمنا البيولوجي بشكل مبشر، وتوفر رعاية صحية أفضل للإنسان. وعلى سبيل المثال، فإن مجموعة من المعلومات الصحية المهمة ستتوافر في "الموبايل" مثل عمليات تحليل الدم والبول، وقياس الضغط، إلى غير ذلك من المعلومات التي يحتاج إليها الطبيب عن مريضه في الحالات الحرجة.
وستحتل الحرب الإلكترونية محل الصدارة في العصر الاصطناعي؛ حيث إن الحروب ستدار عن بعد وبأقل خسارة ممكنة في الإنسان.
وفي آخر مقابلة أجريت مع يوفال نواه هايراري المتخصص في علوم المستقبل قال أمام الحضور: إن البشرية ذاهبة على قدميها إلى عالم رهيب ومخيف، عندما تندمج ثورة عالم تكنولوجيا المعلومات مع ثورة التكنولوجيا الحيوية، وتصبح قادرة على اختراق جسم الإنسان، وقراءة كل ما يدور بخلده وخواطره؛ أي لن تكون هناك أسرار يبطنها الإنسان. وواصل هايراري كلامه عن أن الاختراع الرئيس الذي يجعل الاندماج بين تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية ممكنا هو جهاز الاستشعار البيولوجي، الذي يمكنه قراءة بصمات الأصابع على سبيل الافتراض.
وإضافة إلى ذلك، فإن العصر الاصطناعي سيربط خدمات المدن الكبيرة ومرافقها العامة بالإنترنت، ما يوفر مزيدا من الرقابة، ومزيدا من الطاقة، ويسهل حركة النقل، بل أكثر من هذا فإن العلماء يؤكدون أنه بحلول عام 2025 ستظهر في العالم المدن الخالية من إشارات المرور، ومواقف السيارات الخالية من اللصوص.
ولكن مع كل هذه الإيجابيات التي سينعم بها الإنسان من خلال ابتكارات العصر الاصطناعي، فإن أخطر السلبيات التي يمكن أن تواجهها المجتمعات الإنسانية هي انتشار البطالة على نطاق واسع، ويقدر الاقتصاديون أن أتمتة الصناعة ستقلص فرص العمل في الطبقتين الدنيا والوسطى إلى نحو 50 في المائة، بل يخشى أن يؤدي العصر الاصطناعي إلى هيمنة الشركات الكبرى، واضمحلال دور الشركات المتوسطة والصغيرة في الناتج القومي المحلي. وحتى لا نذهب بعيدا فإن الصين شهدت انخفاضا ملحوظا في معدل مساهمة الأيدي العاملة في إجمالي الناتج المحلي؛ بسبب استخدام التكنولوجيا الحديثة بدلا من الأيدي العاملة.
في ضوء ما سبق، نرجو أن يفطن السعوديون إلى حجم التغيرات والتطورات التي ستؤثر بلا شك في السوق المحلية السعودية، والمطلوب - كما أشرنا - أن يستعد الإنسان السعودي للتأقلم مع متطلبات الأسواق الجديدة، بل المطلوب من السعوديين المشاركة في صناعة الحلول، وأن يكونوا جزءا لا يتجزأ من العالم الجديد، ولا يكونوا متلقين فقط لتكنولوجيا تراهن على تغيير العالم.

إنشرها