FINANCIAL TIMES

تراجع عمليات الاندماج في الربع الرابع يزعزع ثقة الشركات

تباطأت وتيرة إبرام الصفقات سريعا في الربع الأخير من العام المغادر، بعد الوتيرة القياسية التي شهدتها بداية العام، حيث من المتوقع أن تمثل الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام، الفترة الأكثر هدوءا في عمليات الاندماج والاستحواذ منذ الربع الثالث من عام 2017.
أبرمت الشركات صفقات بقيمة 761 مليار دولار منذ بداية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بانخفاض يزيد على 25 في المائة عن الربعين الأول والثاني، عندما تم إبرام معاملات مالية بقيمة 1.2 تريليون دولار في كل فترة زمنية منهما، وفقا للوكالة المزودة للبيانات ريفينيتيف.
يأتي هذا التباطؤ عقب فترة من الاضطرابات التي شهدتها معظم أسواق الأسهم العالمية. قال سكوت بارشاي، وهو محامي شركات يعمل لدى مكتب بول وايس للاستشارات القانونية: "إن لم نتمكن من تحقيق مزيد من الاستقرار، فستكون هنالك فرصة كبيرة لإبرام عدد أقل من الصفقات عام 2019".
لم يتم سوى الاتفاق على صفقة واحدة تزيد قيمتها على 20 مليار دولار خلال الفصل الرابع من العام. ومن بين أكبر 20 صفقة تمت عام 2018، هناك اثنتان فحسب تم إبرامهما منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بما في ذلك عملية استحواذ شركة آي بي إم على مجموعة الحوسبة السحابية ريد هات، بقيمة 32 مليار دولار.
قال عدة مستشارين إن الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها السوق يمكن أن تجعل من الصعب على المشترين والبائعين، التوصل إلى اتفاق بشأن السعر عند محاولة إبرام صفقة ما.
يعمل مقدمو العروض منذ فترة على خفض عروضهم في عدد من المزادات القائمة، مستغلين الانخفاضات الأخيرة في أسعار الأسهم كمبرر لهذا التصرف.
أبدت مجالس الإدارة ترددها حتى الآن في قبول هذا الانخفاض في العروض؛ نظرا لأن الأسهم كانت عند أعلى مستوياتها على الإطلاق، التي سجلتها الأسهم العالمية في أيلول (سبتمبر) الماضي.
في الوقت الذي قال فيه عدد من المصرفيين والمحامين الذين تحدثوا إلى صحيفة فاينانشيال تايمز، إنهم يتوقعون حصول تباطؤ في وتيرة إبرام الصفقات، قدم عدد منهم تحذيرات من أن تباطؤ الوتيرة قد يكون أمرا مؤقتا، وأن الشركات تواصل تقييم مقتنياتها التحولية.
قال روبن رانكين، الرئيس المشارك في عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية لدى بنك كريدي سويس: "لا يزال هنالك مجال للنمو أمام دورة الاندماج والاستحواذ.
هنالك كثير من الناس يتقدمون بعروض. عندما يفعلون ذلك، يكون لديهم تركيز أكبر على التعاملات المالية ذات النطاق الأكبر، التي تؤدي إلى تغيير الوضع. بالنسبة لي، هذا يشير إلى وجود ثقة أكبر ورغبة حقيقية في تغيير المحافظ الاستثمارية".
شهد هذا العام موجة من الصفقات التي تناسب ذلك الوضع، مع إعادة شركات مثل جنرال إلكتريك ويونايتد للتكنولوجيات، وكومكاست، وفودافون، وكيريج جرين ماونتن، وبرودكوم، تشكيل نفسها من خلال معاملات مالية تقدر بمليارات الدولارات. التحدي الذي واجه كثيرا من الشركات هو الحواجز التنظيمية في كل من العواصم الرئيسة في واشنطن وبروكسل وبكين.
لاحظ هيرنان كريستيرنا، الرئيس المشارك في عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية لدى بنك جيه بي مورجان تشيس، أن العقبات التنظيمية تعمل على "إيجاد حالة من اللبس لدى أعضاء مجلس الإدارة، عندما يتعلق الأمر بمتابعة إبرام الصفقات التحويلية".

انهيار صفقات الصين
عملت الحرب التجارية المكثفة بين الولايات المتحدة والصين على زيادة الضغوط المفروضة ضد عمليات الاستحواذ التي تجريها الشركات الصينية بين البلدين عام 2018.
في حين وافقت الشركات الصينية على إبرام صفقات عابرة للحدود بقيمة 182 مليار دولار هذا العام، مرتفعة 17 في المائة عن عام 2017، إلا أن عمليات استحواذ المجموعات الأمريكية تراجعت 15 في المائة.
لا يزال النشاط الكلي دون المستوى القياسي الذي شهده عام 2016، عندما تم إبرام صفقات عابرة للحدود تشمل شركات صينية بقيمة 258 مليار دولار.
جزء من هذا التباطؤ هو نتيجة للحملة التي شنتها الصين على مبرمي الصفقات النشطين في الخارج مثل شركات إتش إن أيه، وداليان واندا، وأنبانج، في جهد تسارعت وتيرته منذ مطلع عام 2017.
سياسة الأمن القومي الأكثر تشددا في الغرب ساعدت على إبعاد المشترين الصينيين عن الأسواق المتقدمة. انخفضت عمليات الاندماج والاستحواذ الصينية في الولايات المتحدة إلى 9.3 مليار دولار، مع انخفاض عدد الصفقات المبرمة بنحو الربع، وفقا لوكالة ريفينيتيف.
قال جيمس تام، رئيس عمليات الاندماج والاستحواذ في منطقة آسيا – الباسيفيك لدى بنك مورجان ستانلي: "المشهد آخذ في التغير بالتأكيد، فنحن نشهد إبرام عدد أقل من الصفقات الصينية الصادرة. بالنسبة لأمر قد يكون استراتيجيا ومهما بطبيعته في قطاع أقل حساسية، لا يزال من الممكن تحقيق الأمور بتنفيذ دقيق".
ما يكمن وراء النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم هو ما تراه الولايات المتحدة أنه تعزيز جهود تبذلها الصين، لكي تصبح الرائدة في العالم في مجال التكنولوجيا الفائقة والتصنيع الثمين في النهايات الراقية من السوق، غالبا من خلال عمليات شراء للملكية الفكرية الأجنبية "وسرقات منظمة ضمن التجسس الصناعي، بالذات على مبحث الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة من الغرب، علاوة على الاستفادة من إرسال جيوش من الطلاب للدراسة والتدرب في سيليكون فالي وغيرها من مراكز الأبحاث المتقدمة في الولايات المتحدة وغيرها".
كانت ردة الفعل تكمن في حظر إبرام مزيد من الصفقات لأسباب تتعلق بالأمن القومي في الدول الغربية المخلتفة - مثل العرض المقدم من شركة آنت فاينانشيال بقيمة 1.1 مليار دولار لشراء شركة موني جرام - وتعزيز الضوابط التي تفرضها الحكومة على الاستثمارات الواردة.
وهناك قانون تم إقراره في آب (أغسطس) الماضي، يمنح لجنة الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة صلاحيات مراجعة كبيرة، حتى على عمليات شراء أسهم حصص الأقلية الصغيرة في الشركات الأمريكية، عقب النشاط الرأسمالي الاستثماري الصيني القياسي في الولايات المتحدة، خلال النصف الأول من العام.
على أن رد الفعل السلبي على عمليات الاندماج والاستحواذ الصينية، لا يقتصر على الولايات المتحدة فحسب، بل يشمل الغرب عموماً.
قال جريج بيرس، رئيس عمليات الاندماج والاستحواذ لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى بنك يو بي إس: "إنها أقرب إلى كونها ظاهرة عالمية؛ حيث تصبح العولمة وإمكانية الوصول السهلة إلى الأسواق أمرا أكثر صعوبة".
عملت كل من أستراليا وألمانيا وكندا على تطوير ضوابط أقوى للأمن القومي، في مواجهة الاندفاع الصيني للاستحواذ الكامل أو الحصول على حصص في شركات غربية مختلفة، حتى إن كندا قد فاجأت المراقبين في الصين، في وقت سابق من هذا العام، عندما منعت شركة البناء التابعة للدولة أي شركة إنشاءات واتصالات في الصين، من إتمام عملية استحواذ بقيمة 1.18 مليار دولار على مجموعة الإنشاءات المحلية آيكون.
كما تسعى الصين أيضا إلى ممارسة سلطاتها بمنع إبرام صفقات عالمية، أبرزها عملية استحواذ شركة كوالكوم على شركة إن إكس بي لتصنيع أجهزة أشباه الموصلات بقيمة 44 مليار دولار.
قال فيليب لي، شريك في وكالة فرش فيلدز: "من ناحية الهيكلة، سيكون الناس حذرين جدا من حيث اختيار طريقة الاستثمار في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. على أنه لا يزال هنالك كثير من الاستعداد والاهتمام بالاستثمارات الأجنبية، خاصة في المملكة المتحدة، مع انخفاض الأسعار".

موجة صفقات ضخمة في 2018
كان المحفز الأساسي لعمليات الاندماج والاستحواذ العالمية هو الصفقات الضخمة المبرمة عام 2018، في الوقت الذي اتخذت فيه مجالس إدارات الشركات في مختلف أنحاء العالم رهانات كبيرة، في محاولة لتعزيز نمو الإيرادات والتنافس بشكل أفضل ضد موجة جديدة من شركات التعطيل الرقمية الموجودة في كل الصناعات.
ارتفعت نسبة الصفقات التي تزيد قيمتها على خمسة مليارات دولار 70 في المائة لتصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار، وفقا لوكالة ريفينيتيف، ما يمثل نحو 40 في المائة من الأحجام الإجمالية عام 2018.
كما ارتفعت نسبة الصفقات المبرمة بسعر رئيس يزيد على 10 مليارات دولار من 28 صفقة أبرمت عام 2017 إلى أكثر من 40 صفقة أبرمت هذا العام، بما في ذلك عملية الاستحواذ التي خضعت لها شركة الأدوية الإيرلندية شاير بقيمة 77 مليار دولار من قبل الشركة اليابانية المنافسة لها تاكيدا، وعملية استحواذ شركة كومكاست على شركة الإذاعة البريطانية سكاي بقيمة 48 مليار دولار.
ستيف آركانو، محامي شركات لدى شركة سكادين، سلط الضوء على التكنولوجيا باعتبارها القوة المحفزة. وقال: "يرى كبار التنفيذيين أن هنالك حاجة لتعديل أو تصحيح منصاتهم، للتكيف مع الأسواق الآخذة في التطور بسرعة في هذا العالم المليء بالتعطيل، وهم على استعداد للدخول في صفقات مهمة لمعالجة هذا الشأن".
انخفض العدد الإجمالي للصفقات المبرمة عام 2018 بنحو 10 في المائة ليصل إلى أقل من 44 ألف صفقة مقارنة بالعام السابق، وفقا لوكالة ريفينيتيف. أما الانخفاض الأكبر فقد كان ضمن الصفقات الأصغر حجما بقيمة تقل عن مليار دولار، التي غالبا ما تعتبر بمنزلة الخبز اليومي للمصارف الاستثمارية، التي تقدم النصح والمشورة بشأن عمليات الاندماج والاستحواذ.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES