FINANCIAL TIMES

«فيسبوك» تطبق نظرية مدرسة شيكاغو للاقتصاد .. لا شيء أهم من الأرباح

في أي نقطة يصبح السلوك المؤسسي السيئ تجاوزا متعمدا؟ هذه مسألة يبحثها المنظمون والسياسيون في كل من الولايات المتحدة وأوروبا بعناية فيما يتعلق بشركة فيسبوك، بالنظر إلى ما تكشف حديثا من أنها سمحت لعدد من الشركات الكبيرة "من بينها أبل، وأمازون، ومايكروسوفت" بالوصول إلى بيانات المستخدمين الحساسة، على الرغم من وعودها بحماية الخصوصية.
مشاهدة قرع الطبول والادعاءات الأسبوعية حول موقع التواصل الاجتماعي تشبه مشاهدة الدوامة نفسها حول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. أشعر أنها ربما تكون مجرد مسألة وقت حتى يتم إسقاط "الجهة موضع الاهتمام"، كما يسميها المدعون العامون. لكن حتى إذا كان سلوك "فيسبوك" قانونيا، فإن قصتها تحمل دروسا في مخاطر منح النمو الأولوية على الإدارة الرشيدة.
دخلت "فيسبوك" في صفقات مشاركة البيانات بين عامي 2010 و2017 لتنمية شبكتها الاجتماعية في أسرع وقت ممكن. أدى ذلك إلى زيادة هوامش الربح عن طريق تقليص التكاليف لكل مستخدم على منصتها. لكن وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز" التي أذاعت الخبر، لم تتمكن "فيسبوك" ولا الشركات الأخرى المعنية من تتبع جميع الآثار المترتبة على الترتيبات المتعلقة بخصوصية المستخدم.
تدعي شركة أبل أنها لا تعرف حتى إنها كانت في مثل هذه الصفقة مع "فيسبوك"، وهو اعتراف مذهل بالنظر إلى الطريقة التي تسوّق بها هذه الشركة نفسها حامية لخصوصية المستخدم. في شركة فيسبوك "بعض المهندسين والتنفيذيين "..." اعتبروا أن الخصوصية تمثل عائقا أمام الابتكار السريع والنمو"، هكذا يقول سطر معبر في مقالة "التايمز". وقد تحقق النمو بالفعل: في العام الماضي حققت "فيسبوك" عائدات تجاوزت 40 مليار دولار، أكثر من ضعف 17.9 مليار دولار أعلنت عنها في عام 2015.
إعطاء "فيسبوك" الأولوية للنمو على الإدارة الرشيدة لهو أمر فادح، لكنه ليس فريدا. هناك أزمة أوسع في حوكمة الشركات بشكل أكبر وأعمق من هذه الشركة وحدها. توفر شركة فيسبوك ثلاثة أمثلة واضحة على ذلك.
أولا، إنها جزء من مجموعة من الشركات الضخمة التي ترغب في التصرف وكأنها لا تزال صغيرة. هذه القضية أكثر وضوحا في قطاع التكنولوجيا، حيث إنه يغلب على المجموعات أن تكون شركات صغيرة لكنها تنمو بسرعة كبيرة. مثل هذه الشركات لديها كثير من القوة التي تتركز في الأعلى. لا يزال مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة "فيسبوك"، يسيطر على 60 في المائة من حقوق التصويت في الشركة، ويبدو أن مجلس إدارته غير فعال على الإطلاق. التقارير الأخيرة تشير إلى أنه هو ومسؤولة التشغيل الرئيسية، شيريل ساندبيرج، يشكلان قمعا صغيرا يجب أن تتدفق من خلاله القرارات.
هذه سمة تتناسب أكثر مع شركة ناشئة وليس واحدة من أكثر الشركات العامة ربحية في العالم.
لم يكن زوكربيرج ولا ساندبيرج راغبين في سماع أي شيء لم لا يروق لهما، وفقا لأشخاص تحدثوا إلى المسؤولين التنفيذيين في "فيسبوك" بعد فضيحة التدخل في الانتخابات عام 2016 وحتى الآن، الأمر الذي يوجد مشكلة حوكمة هائلة في حد ذاته.
كان إيلون ماسك يحكم قبضته على السلطة في شركة تسلا حتى أجبرته لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية على التخلي عن الرئاسة في إطار تسوية تتعلق بقضية احتيال. شركة جوجل لديها مشكلة أيضا. لا يزال لاري بيج وسيرجي برين وإيريك شميدت يمتلكون أكبر الحصص في الشركة ولهم نفوذ هائل.
ثانيا، فشل "فيسبوك" في الاستثمار في إدارة المخاطر ليس فريدا. كان شعارها المبكر "التحرك السريع وتحطيم الأشياء" يعني أن التنفيذيين كانوا مستعدين لعقد صفقات مشاركة البيانات التي لم يفهموها مع شركات لم تفهمها أيضا.
هذا يذكرني بمديري المصارف الذين لم يكونوا على دراية بالمخاطر المتكدسة في ميزانياتهم العمومية حتى بدأت الأسواق تتفجر خلال الأزمة المالية عام 2008. وهو يؤكد على نقطة أخرى، هي ميل الشركات إلى تحديد أولوياتها بناء على ما يمكن تحديده كميا، مثل ربح السهم ونسبة سعر السهم إلى الأرباح، وتتجاهل مخاطر الأعمال التي يصعب قياسها حتى فوات الأوان. لا تفكر فقط في انتهاكات البيانات وفضائح الخصوصية، بل أيضا في أي عدد من الكوارث المعقدة لسلسلة التوريد، مثل انهيار مبنى رانا بلازا في بنجلادش الذي راح ضحيته عاملون يصنعون الملابس لسلاسل التجزئة البارزة.
لا ينبغي لأي شيء من هذا القبيل أن يعد مفاجأة. فالحال في شركة فيسبوك يعتبر تتويجا طبيعيا لـ 40 عاما من عبادة الأعمال على مذبح قيمة المساهمين. الفكرة القائلة إن الأرباح يجب أن تكون الهدف الوحيد للأعمال، التي طرحتها أولا مدرسة شيكاغو في الاقتصاد، تم أخذها إلى أقصى الحدود من قبل مجموعات منصات التكنولوجيا التي تبني شبكات عالمية وتستفيد من الأصول غير الملموسة.
لقد سمح لهم أنموذج أعمالهم حتى الآن بتجنب الرقابة والمخاوف الوطنية، ناهيك عن الضرائب. تميل مجموعات التكنولوجيا الكبيرة أيضا إلى أن يديرها جيل من القادة الذين بلغوا سن الرشد في الثمانينيات والتسعينيات، بعد أن بدأ عديد من كليات الأعمال التشديد على أهمية تعظيم قيمة حملة الأسهم.
لكن العولمة الاقتصادية تجاوزت كثيرا العولمة السياسية، ما أثار كثيرا من الشعبوية وردود الفعل العنيفة ضد المؤسسة التي نراها من حولنا. لقد انتصر النمو على الإدارة الرشيدة.
السؤال الآن ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ يتمتع قادة الشركات بتاريخ طويل في فعل كل ما يلزم لتحقيق أقصى قدر من الأرباح، إلى أن يضطروا إلى إعادة النظر. هل وصلنا إلى إحدى نقاط التحول التي يتعين فيها على السلطات الأمريكية والأوروبية أن تتدخل وتفعل شيئا حيال ذلك؟

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES