FINANCIAL TIMES

الغطاء المالي لصناعة النفط الصخري مهدد بالتلاشي في 2019

كل الثورات الصناعية تحتاج إلى أمرين: التكنولوجيا والتمويل. ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة أصبحت ممكنة بفضل التقدم في الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي الذي سمح بإخراج النفط والغاز من الصخور التي كانت منيعة في السابق. لكن تمويل الصناعة كان له القدر نفسه من الأهمية في تحويل تلك الابتكارات إلى طفرة إنتاجية هزت العالم.
الأنموذج المالي الذي سيطر على هذه الصناعة كان مجموعة من شركات الاستكشاف والإنتاج ذات القدرة التنافسية العالية التي تستخدم الديون التي يتم جمعها من أسواق السندات والقروض المصرفية بضمان احتياطيات النفط والغاز. وغالبا ما تستخدم المشتقات لتحويط بعض أو كل إيراداتها، ما يمنح المصارف الثقة بقدرة الشركات على سداد دفعات الفوائد إذا انخفضت أسعار النفط والغاز.
بالنسبة إلى معظم طفرة النفط الصخري، كانت البنية التحتية المالية مدعومة من أسعار الفائدة المنخفضة وبرنامج التسهيل الكمي الذي تبع الأزمة المالية. وكان ارتفاع إنتاج النفط في الولايات المتحدة نتيجة للتحفيز النقدي، تماما بقدر ما كانت طفرة شركات التكنولوجيا الناشئة والارتفاع في مؤشر ستاندر آند بورز 500.
في الوقت الذي نما فيه إنتاجها، كانت صناعة الاستكشاف والإنتاج في الولايات المتحدة غير قادرة على تمويل برامج الحفر من تدفقاتها النقدية التشغيلية، وكان التدفق المستمر لرأس المال ضروريا للحفاظ عليها. مع انخفاض البورصة وأسعار النفط، وبينما لا يزال الاحتياطي الفيدرالي يُشير إلى نيته الاستمرار في رفع أسعار الفائدة، فإن الظروف المالية التي كانت تحمي صناعة النفط الصخري مثل غطاء دافئ ربما تبدأ في التلاشي العام المقبل.
فيليب فيرليجر، المختص الاقتصادي في مجال الطاقة، تناول في لقاء مع "فاينانشيال تايمز" آفاق التحوّط الذي تستخدمه شركات الاستكشاف والإنتاج لحماية إيراداتها وطمأنة المصارف التي أقرضتها. الاستراتيجيات تختلف، لكن الممارسة المعتادة هي أن تثبت الشركات سعرا فعليا لبعض أو كل إنتاجها من خلال شراء خيارات البيع.
يُجادل فيرليجر بأن تلك الخيارات كانت عاملا مهما في انهيار أسعار النفط إلى أدنى مستوى لها خلال 15 شهرا منذ تشرين الأول (أكتوبر). المصارف الاستثمارية والمصارف الأخرى التي باعت خيارات البيع هذه يتعين عليها تحويط مراكزها، عادة من خلال بيع النفط في سوق العقود الآجلة. كلما زاد احتمال ممارسة الخيارات، زادت كمية النفط التي يجب أن تبيعها شركات التمويل، في ممارسة معروفة باسم "تحويط الدلتا". هذا يوجد حلقة إيجابية من ردود الفعل: مع انخفاض الأسعار، الشركات المالية التي باعت خيارات البيع بحاجة إلى بيع مزيد من النفط، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض السعر أكثر.
حسابات فيرليجر أشارت إلى أن حجم برامج تحويط صناعة الاستكشاف والإنتاج في الولايات المتحدة كبير بما فيه الكفاية لتفسير كثير من الانخفاض في أسعار النفط الخام منذ تشرين الأول (أكتوبر). بمجرد أن بدأ النفط في الانخفاض، ويميل إلى الانخفاض أكثر بسبب قرار إدارة ترمب تخفيف حظر صادرات النفط الإيراني، والمخاوف بشأن النمو العالمي، بدأ تأثير تحويط الدلتا، ما أدى إلى تحويل التراجع إلى هبوط شديد.
هذه الديناميكية لن تستمر إلى الأبد. في نهاية المطاف ستكون المصارف والمتداولون الآخرون الذين باعوا خيارات البيع قد غطّوا مراكزهم بالكامل، ويتراجع ضغط البيع. معظم الخيارات التي اشترتها شركات الاستكشاف والإنتاج المُدرجة في البورصة، كما كُشف عنها في ملفاتها التنظيمية، كانت لديها "أسعار تنفيذ" بين 50 دولارا و60 دولارا للبرميل بالنسبة إلى الخام المرجعي الأمريكي، غرب تكساس الوسيط، ما يعني أن الأسعار تتعرض للضغط عندما تكون داخل هذا النطاق أو قريبة منه. يبلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الآن 45.59 دولار للبرميل، وقد يُصبح أكثر استقرارا.
في الشهر الماضي أشار "جولدمان ساكس" إلى أنه بمجرد أن يبدأ تأثير تحويط الدلتا، فإن أسعار النفط يُمكن أن "ترتد إلى الأعلى بسرعة".
مع ذلك، يُثير فيرليجر احتمال أن يكون هناك تأثير مستمر في شركات الاستكشاف والإنتاج في الولايات المتحدة، إذا وجدت أن التحوط أصبح أكثر صعوبة. تقليل التحويط يعني تقليل القدرة على الاقتراض، ما يعني تقليل عمليات الحفر. ويُشير إلى أن الإنتاج الأمريكي قد ينخفض بنسبة 5-10 في المائة العام المقبل، إذا بدأ ذلك. هذا الضغط المحتمل على التحوط سيزيد الضغوط الأخرى التي تتراكم منذ مدة بالنسبة إلى مجموعات الاستكشاف والإنتاج في الولايات المتحدة نتيجة انخفاض أسعار النفط، وضعف البورصات، وارتفاع أسعار الفائدة.
أسعار النفط المنخفضة ستؤثر في تقييم الاحتياطات المُستخدمة لتأمين الإقراض المصرفي، وقد أصبحت أسواق السندات أقل ترحيبا بالمقترضين القادمين من جهة شركات النفط. الانخفاض في أسعار أسهم شركات الاستكشاف والإنتاج، مع انخفاض مؤشر ستاندر آند بورز لصناعة الاستكشاف والإنتاج للنفط والغاز بنسبة 43 في المائة منذ أوائل تشرين الأول (أكتوبر)، أيضا يجعل من الصعب أكثر زيادة التمويل على أساس حقوق الملكية.
لاحظت إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة أخيرا أن شركات الاستكشاف والإنتاج الأمريكية كانت تقريبا في الوضع المالي نفسه قبل الانخفاض الأخير في أسعار النفط كما كانت عندما انخفضت الأسعار في عام 2014. إذا كنا في وضع الإعادة، فإن ذلك سيكون احتمالا مُشجعا بشكل معقول: معظم شركات الاستكشاف والإنتاج نجت من الانخفاض الأخير، وكثير منها ازدهر.
لكن كما أشارت إدارة معلومات الطاقة "تقلبات أسعار النفط وعوامل اللبس تظل عالية". تغلبت مجموعات النفط الأمريكية على كثير من التحديات في جهودها لجعل النفط الصخري قابلا للحياة على المدى الطويل. العام المقبل، يُمكن أن تتوقع مواجهة مزيد من التحديات.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES