أمريكا والمعادلة النفطية

|
بات جليا لكل المهتمين في قطاع النفط أن المعادلة النفطية العالمية قد تغيرت مع بزوغ نجم النفط الصخري خلال السنوات القليلة الماضية، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها بأي حال من الأحوال. ذكرت سابقا، في أكثر من مقال ولقاء، أن النفط الصخري غير معادلة النفط العالمية ويجب التعامل مع هذا الطرف الجديد في المعادلة دون مبالغة غير منطقية، وفي المقابل لا يستقيم تهميشه أو التقليل من تأثيره في هذه المعادلة. أود أن أسلط الضوء في هذه السلسلة من المقالات على بعض النقاط التي أرى أنها تستحق التوقف عندها لمحاولة قراءة واستشراف تأثير النفط الأمريكي في أسواق النفط والمعادلة النفطية. كانت صادرات النفط الأمريكية متواضعة جدا منذ عام 1920 حتى عام 1930، حيث إنها لم تتعد سقف 100 ألف برميل يوميا. تحسنت الصادرات الأمريكية من النفط وبدأت بالارتفاع التدريجي بين عام 1930 وعام 1939، حيث وصلت إلى 300 ألف برميل يوميا، ومن ثم عادت إلى الانحسار مرة أخرى ولم تتجاوز 200 ألف برميل في اليوم حتى نهاية الخمسينيات الميلادية. بعد ذلك صاحبت الصادرات الأمريكية من النفط تقلبات عديدة بين الانخفاض الشديد والارتفاع الخجول، لكنها حتى عام 2015 لم تتجاوز حاجز 500 ألف برميل يوميا. لعل معرفة تاريخ صادرات النفط الأمريكية مهمة للإجابة عن بعض الأسئلة، ومهمة لاستشراف المستقبل الأرقام أعلاه تدل - بلا شك - على أن صادرات النفط الأمريكية لا تذكر، مقارنة بحجم استهلاكها منه خلال تلك السنوات، وهذا يبرر حرص الولايات المتحدة خلال تلك الفترة على انخفاض أسعار النفط من خلال إداراتها المتعاقبة وصناع القرار فيها. من الأسئلة التي أرى أن الإجابة عنها قد تقودنا إلى قراءة موضوعية للمرحلة المقبلة، ومن أهمها: هل سيستمر حرص صناع القرار في الولايات المتحدة على انخفاض أسعار النفط بالزخم السابق نفسه في ظل بزوغ نجم النفط الصخري؟ وهل انتعاش الصادرات الأمريكية من النفط منذ عام 2015 أحد العوامل التي ستؤثر في تعاطي صناع القرار في الولايات المتحدة مع أسعار النفط؟ تكلفة إنتاج النفط الصخري، التي تعتمد بشكل أساسي على تقنية التكسير الهيدروليكي، تختلف من حقل إلى آخر نظرا إلى عوامل هندسية وجيولوجية سبق أن تناولتها بإسهاب في سلسلة من المقالات بعنوان "النفط الصخري تحت المجهر"، تختلف هذه التكلفة من حقل إلى آخر، وتقدر تكلفة إنتاج البرميل منه بين 30 دولارا وأكثر من 50 دولارا تقريبا، ما يعني أن هبوط أسعار النفط إلى مستويات متدنية ليست في مصلحة منتجي النفط الصخري، وهذا ما حدث فعلا عندما وصلت الأسعار إلى دون الـ30 دولارا قبل عامين، وتسببت في خروج كثير من الشركات النفطية المختصة في استخراج النفط الصخري. هذا يعطينا بعض المؤشرات والدلالات، ومن وجهة نظر شخصية، أن صناع القرار في أمريكا قد لا يرون في هبوط الأسعار بشكل قوي - كما في السابق - مكسبا لهم ولشركات النفط الأمريكية، فماذا عن صادرات النفط الأمريكية التي ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث السابقة؟ نكمل في المقال التالي، بإذن الله.
إنشرها