أسعار غير معقولة

|
هناك عبارات مثل "الأسعار غير معقولة" و"عمد التجار إلى إغلاء الأسعار" و"التلاعب بالأسعار"، تقال عادة في معرض الطلب من السلطة التدخل في الأسعار. هذه العبارات العامة ونحوها، تمثل رأي طرف دون طرف. وهي أقرب إلى أن تكون عبارات مجملة، أو مبهمة من وجهة نظر علم الاقتصاد، ومن ثم لا تقبل أو ترفض من دون التفاصيل. طورت في علم الاقتصاد مجموعة كبيرة من أدوات التحليل اللفظية والكمية، التي تساعد على فهم موضوعي حيادي لتركيب وسلوك الأسواق والإنتاج، وتحدد الأسعار وحركة العرض والطلب عامة. ويصعب فهم هذه الأدوات على أكثرية غير المتخصصين من دون إعطاء شروحات لا تخلو من طول. من هذه الأدوات ذات العلاقة بموضوعنا: التكلفة الحدية، والإنتاج الحدي، ومرونة الطلب السعرية، والإيراد الحدي، وقانون تناقص الغلة، ومنحنى العرض في الأجل الطويل تحت المنافسة الكاملة وغير الكاملة، وغيرها كثير. الحكم على الأسعار أنها غير معقولة قد يكون مبررا، وقد يكون نسبيا، وذا ارتباط بمستوى غنى وفقر الناس "وبقوة الحاجة إليها"، ولذا فإن الأمر في حاجة إلى معايير يستند إليها. لنأخذ المثال التالي الدال على النسبية. في مقدور عامة مواطني دول مجلس التعاون الخليجي امتلاك سيارة، لكن الأمر ليس كذلك على مواطني عديد من الدول. لو قال قائل من أحد مواطني تلك الدول: "أغلب الناس في بلدي لا يقدرون على تملك سيارة؛ نظرا لأن أسعار السيارات غير معقولة". ما مدى صحة حكمه أن أسعار السيارات في بلده غير معقولة؟ قد يحدث أن ترتفع الأسعار ارتفاعا كبيرا في إطار تلاعب، وقد يحدث بسبب مشكلات في وفرة موارد صنعت اختلالا بين عرض وطلب سلعة أو مجموعة من السلع، من دون وجود تعمد سلوكات للإضرار بقوى السوق. من الصعب جدا من ناحية عملية حدوث اتفاق متعمد في الأسعار أو الكميات في سوق عالية التنافسية. والمقصود بالسوق عالية التنافسية تلك التي بها عدد كبير من البائعين المتفرقين تفرقا يمنع وجود ارتباطات بينهم، وما تحت سلطة أي واحد صغير مقارنة بحجم السوق، بما يجعل التأثير في حجم المعروض في السوق كله شبه معدوم لو قرر الانسحاب أو الامتناع عن البيع. أسعار السوق طبعا موجودة، لكنها ليست نتيجة فعل شخص أو طرف بعينه، ويصعب فهم الأمر على بعض الناس. وجود سعر شائع في السوق ليس نتيجة عمل أحد بعينه يعبر عنه أحيانا باليد الخفية Invisible hand. ويمكن فهمها على أنها نزعة طبيعية لها مخرجاتها من دون تخطيط وتعاون جماعي مسبق. وليست الأسعار وحدها ولادة هذه النزعة، بل هناك أمور كثيرة تجري جماعيا من دون حاجة إلى تجمع وتنسيق. في حال سوق ضعيفة التنافسية، ككون السلعة تباع من عدد محدود من البائعين، من المهم أن يعرف هل حدث منهم تدخل بهدف تعطيل أو الإضرار بقوى السوق أو لا؟ في حال أنها لم تعطل: فما مدى أهمية أو حاجة عامة الناس إلى السلعة أو الخدمة؟ ما مدى وجود بدائل مقاربة؟ أما إلزام التجار بالبيع وفق سعر بعينه من دون مراعاة لقضايا كثيرة متعلقة فلا يصلح. وعندما يبدو للناس وجود نوع انفراد "ما يسمى احتكارا" أو أقلية في بيع سلعة مهمة لعامة الناس، فإن سؤالا يطرح: لماذا استمر الوضع هكذا؟ وبعبارة أخرى: لماذا لا يتمكن غير من في السوق من الدخول والمنافسة؟ مع التنبيه على حالة مستثناة. هناك سلع وخدمات مهمة للناس، لكن توفيرها مقصور على طرف أو أطراف قليلة؛ لوجود مبررات موضوعية وتفسير علمي، يدور حول كون تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة أقل من التكلفة في حال تعدد بائعين. وفي هذه الحالة، التدخل الحكومي في التسعير مطلب. باختصار، مطلوب معايير وقياسات موضوعية علمية ذات طبيعة شمولية وغير متحيزة أو انتقائية. والهدف هو التعرف هل ارتفاع السعر كله أو بعضه مبرر أو غير مبرر، بدلا من الاعتماد على تجارب وتحيزات شخصية؟ بذلت بلادنا جهودا كبيرة في تنظيم السوق، ومكافحة الممارسات غير المشروعة، كما بذلت جهودا في نشر المعلومة بحيادية، لكنني أرى أن هذه الجهود في حاجة إلى مزيد تطوير، وهذا التطوير يتطلب - من ضمن ما يتطلب - موارد بشرية ماهرة، ولديها خبرة في عمل القطاع الخاص.
إنشرها