FINANCIAL TIMES

الأسواق تتهاوى .. لكن وقت الهروب لم يحن بعد

في تاريخ الأسواق المالية، هل سبق أن حقق قدر كبير من المال قيمة قليلة جدا مثلما فعل الإحسان إلى المساهمين في أمريكا هذا العام؟
الشركات الأمريكية المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 اشترت مرة أخرى ما قيمته 203.8 مليار دولار أخرى من أسهمها في الربع الثالث، وهو رقم قياسي وفقا لبيانات ستاندرد آند بورز داو جونز للمؤشرات. هذا يرفع إجمالي هذا العام إلى رقم غير مسبوق يبلغ 536 مليار دولار حتى قبل إدراج الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2018. ودفعت الشركات الأمريكية 336 مليار دولار أخرى في توزيعات الأرباح هذا العام. إضافة إلى ذلك تم تمويل عمليات إعادة الشراء هذا العام إلى حد كبير من خلال ارتفاع أرباح الشركات - بفضل تخفيضات الضرائب من الرئيس دونالد ترمب - وإعادة المدخرات من الخارج، بدلا من زيادة الاقتراض.
مع ذلك، أمواج طوفان المال هذا، التي من المؤكد تقريبا أن تتخطى تريليون دولار للعام ككل، أدت إلى انخفاض بنسبة 8 في المائة تقريبا في مؤشر ستاندرد آند بورز 500. وحتى عندما تؤخذ الأرباح الموزعة في الحسبان، المؤشر منخفض 6 في المائة تقريبًا هذا العام. كيف يمكن لمثل هذه السخاء الاستثنائي للشركات أن يؤدي إلى مثل هذه العائدات الضئيلة؟
بشكل عام، الخوف يغلب على الصورة الفنية التي لا تزال سليمة. تتحرك الأسواق على نقاط الانعطاف، وبعد الشروع في احتساب تباطؤ الاقتصاد وتباطؤ نمو الأرباح هذا الخريف، بدأ المستثمرون الآن يشعرون بالقلق من أن التوسع الاقتصادي في مرحلة ما بعد الأزمة ربما ينتهي في الواقع العام المقبل.
خلافا لكل المؤشرات، الصيف المقبل سيكون الأطول في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأقصر قليلا من أطول فصول الصيف منذ 1860، لذلك هناك سوق هابطة أخرى يبدو أن وقتها بالنسبة إلى كثير من مديري الصناديق قد حان منذ فترة. الآن منحنى العائد يقترب من الانعكاس، الذي يعد تاريخيا نذيرا بالكساد، ما أثار مخاوف من أن النهاية ربما تكون قريبة.
في الواقع، أداء سوق الأسهم المتعثر ليس شاذا. جميع فئات الأصول الرئيسة وجميع أساليب الاستثمار تقريبا تكبدت خسائر في عام 2018، وهو أمر لم يحدث إلا مرتين خلال نصف القرن الماضي ـ خلال حقبة التضخم المصحوب بالركود في السبعينيات والأزمة المالية العالمية.
وفقا لـ "جيه بي مورجان"، كل من الأسهم وسندات الشركات تحتسب في الأسعار الآن حالة ركود في العام المقبل، بينما يبدو النقد جذابا للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. وعلى الأرجح ليس من قبيل المصادفة أن يصبح تحفيز البنوك المركزية العالمية سلبيا الآن للمرة الأولى منذ الأزمة المالية. في الأسبوع الماضي لم يفعل الاحتياطي الفيدرالي شيئا يذكر لتهدئة الأعصاب المتوترة. ومع أن البنك المركزي خفض توقعاته لزيادات أسعار الفائدة، إلا أن غموضه الظاهر في مواجهة اضطراب السوق لم يؤد إلا إلى إثارة خوف المستثمرين أكثر.
مع ذلك، نوبة القلق الحالية تبدو مبالغا فيها. ومن المرجح أن يكون الاضطراب الأخير في الأسواق قد تفاقم مع تزايد عدم توافر السيولة والميل الموسمي إلى تجنب المخاطر، الأمر الذي ينتج انتكاسة طبيعية - نسينا حدوثها، بينما هي تحدث من حين إلى آخر - تبدو أكثر ترويعا مما هي عليه في الواقع. في الوقت الذي يتباطأ فيه النمو، من الصعب أن نرى كيف أن التوسع في مرحلة ما بعد الأزمة يمكن ينتهي فجأة في عام 2019.
جزئيا، عام 2018 قد يكون مجرد نوبة كلاسيكية من الارتداد المتوسط بعد عام 2017 الرائع، عندما عادت سوق الأسهم الأمريكية بدون أي تقلبات تقريبا. في الواقع، كان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في العام الماضي يتمتع بمعدل "شارب" Sharpe ratio، وهو مقياس شائع للعائدات المعدلة حسب المخاطر، بلغ 3.2. وكان هذا ثاني أعلى معدل في السنوات الـ 60 الماضية (فترة كان المتوسط فيها 0.7)، وهي نسبة أي صندوق تحوط على الكوكب يتمناها. من المهم أن نتذكر أنه حتى بعد التصحيح الأخير، إجمالي عائدات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لا يزال يبلغ 13 في المائة على مدى العامين الماضيين، ليس بعيدا عن المتوسط السنوي الطويل الأجل.
لذلك، وجهتنا من موضعنا الراهن تعتمد على ما إذا كان النمو في الولايات المتحدة قد بدأ يتلاشى. وعلى الرغم من التحديات الناجمة عن التوترات التجارية والسياسة النقدية الأكثر تشددا، يرى مصرف جيه بي مورجان أن التوسع الاقتصادي في عام 2019 لن يتباطأ إلا بنسبة 2 في المائة، وهي نسبة لا تزال صحية. في الوقت نفسه، الاقتصاد العالمي سينمو بنسبة 2.9 في المائة العام المقبل، وهو العام الثالث على التوالي للنمو بدرجة تفوق الاتجاه السائد، كما لاحظ محللو المصرف.
وطالما أن النمو لا يتلاشى بشكل مفاجئ، ستظل الأرباح صحية وستستمر عمليات إعادة الشراء في الازدهار.
برامج إعادة شراء الأسهم في طريقها لتجاوز تريليون دولار هذا العام، ما دفع مصرف جولدمان ساكس إلى التنبؤ بتحطيم رقم قياسي آخر بلغ 940 مليار دولار من عمليات إعادة الشراء في 2019 (و525 مليار دولار من توزيعات الأرباح). أما مصرف جيه بي مورجان فهو أقل تفاؤلا بعض الشيء، لكنه لا يزال يرى 1.3 تريليون دولار من توزيعات الأرباح وعمليات إعادة الشراء في العام المقبل.
هذا يعني أن إجمالي عائدات حملة أسهم الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال الفترة من 2017 إلى 2019 فقط سيتجاوز على الأرجح حجم برنامج التسهيل الكمي الكامل لفترة ما بعد الأزمة، الذي أعده الاحتياطي الفيدرالي. وهذه الدولارات سيكون لها تأثير في نهاية المطاف.
التزام الهدوء في أوقات هبوط السوق أمر صعب دائما بالنسبة للخبير الذي يواجه خطر الظهور بمظهر الأحمق المتفائل. من الواضح أننا ندخل في المرحلة الأخيرة الأكثر تقلبا لسوق صاعدة في فترة ما بعد الأزمة، لكن طالما أن البيانات الاقتصادية لم تنهر بعد، لن تكون هذه هي النهاية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES