الحضارة ولسان الضاد

|
في هذا المقال، الذي أكتبه والعالم احتفى بالعيد العالمي للغة العربية قبل ثلاثة أيام، سأعرج على شأن يتناوله الباحثون الغربيون بإسهاب وهو علاقة لسان الضاد ودوره في بناء الحضارة العربية والإسلامية. وقد لا نغالي إن قلنا إن الحضارة العربية والإسلامية التي ازدهرت في الخلافة الأموية في دمشق والعباسية في بغداد والأموية في الأندلس كان لولبها ومحركها اللغة العربية. خلال نحو ثلاثة قرون منذ تشكيل أول إمبراطورية عربية في الشام، أي منذ منتصف القرن السابع حتى نهاية القرن العاشر، جرت وثبة حضارية ربما لم يشهد لها التاريخ مثيلا حتى يومنا هذا. في هذه الفترة صارت مراكز الحكم، ولا سيما في دمشق وبغداد والأندلس بمنزلة دور عالمية للتأليف والنشر والترجمة والاستنساخ تخرج من المؤلفات والتراجم ما لم يعرفه العالم حتى حينه. وإن أخذنا الحركة هذه ضمن سياقها وقارناها بالعصر الحديث في البلدان العربية لنكون أمام ظاهرة ليس في إمكان العرب بمئات ملايينهم الأربعة اليوم ومعهم ثرائهم الاستراتيجي اللحاق بها. وهناك من المستشرقين والباحثين المنصفين من يعد ما قام به العرب مستندين إلى لغتهم معجزة إنسانية كان من ثمارها حضارة راقية تتقدم فيها المواطنة والأنسنة على الانتماء القومي أو الديني أو العرقي أو المذهبي. كان كافيا أن تتحدث العربية أو أن تجعل منها لسان التواصل والكتابة حتى تأخذ المكان الذي يليق بك وبمؤهلاتك في المجتمع والدولة. خذ مثلا بغداد، حيث كانت منارة العلم والمعرفة والترجمة في القرون الثلاثة التي ذكرتها. كانت أبواب بغداد مفتوحة لكل من ينطق لسان الضاد بغض الطرف عن هويته ودينه ومذهبه والمكان الذي ولد فيه. وصار لكل من يتقن اللغة العربية ويكتب فيها ويترجم إليها مكانة بارزة في الدولة والمجتمع، إن كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو فارسيا أو عربيا أو غيره. واتكأت الدولة والخلفاء على أهلية الشخص ومؤهلاته التي كانت المفتاح للولوج إلى باب السلطة والمعرفة والمؤسسات القائمة في حينه. طالما أن المرء لسانه عربي، كان هذا بمنزلة الشهادة التي تؤهله للمواطنة. وهكذا ازدهرت الحضارة العربية والإسلامية في الفترة التي ذكرتها أعلاه وبرز فيها من الأعلام والعلماء والأدباء والشعراء، أصولهم وأديانهم ومذاهبهم وهوياتهم وأمصارهم وألوانهم شتى، ولكن لهم ثقافة واحدة وهي الثقافة التي تضمها في ثناياها لغة الضاد. لقد منح جو التسامح وقبول الآخر الفرصة للغة العربية أن تنمو وتزدهر. واللغة، أي لغة، تعكس وضع ومكانة الناطقين بها. لقد قدم العرب المسلمون في الحجاز صوب الأمصار في العراق وسورية ومصر وهم لا يملكون غير لغة كان مدارها بالنسبة لهم في حينه ينحصر في علوم القرآن والحديث والشعر. وفي فترة وجيزة، صارت اللغة العربية حاملة وخازنة لكل العلوم التي كانت سائدة في حينه في العالم، والتي كانت رائجة أيضا لدى الإمبراطوريات والممالك التي سبقتهم. لم ينته منتصف القرن التاسع إلا وكانت أمهات الكتب في الفلسفة اليونانية متوافرة بالعربية وبنسخ "طبعات" عديدة يتم قراءتها وشرحها والتعليق عليها وتوطينها لتفسير أغلب شؤون العلم والمعرفة والحياة في شتى مضاميرها. لم يكن للعرب المسلمين إلمام باليونانية أو أي لغة أجنبية أخرى. استندوا إلى الشعوب في مملكتهم وأغدقوا عليهم كي يحولوا العلوم إلى لغتهم. لو وضعنا حجم الترجمة التي شملت تقريبا أغلب الأعمال العلمية والفلسفية لدى الأمم التي سبقت العرب من الإغريق والفرس والسريان والهنود ضمن السياق الحضاري، فإننا نكون أمام إنجاز تاريخي قل نظيره. الأعمال الكاملة للفلاسفة والعلماء مثل أرسطو وجالينوس وأفلاطون وفيثاغورس وسقراط وغيرهم وهي بمئات المجلدات جرى نقلها إلى العربية. ربما لم يبق العرب في حينه كتابا ذا شأن في اللغات الرومانية والإغريقية والفارسية والسريانية إلا ونقلوه إلى لغتهم، رافعين من شأنها حتى صارت لغة العلم والمعرفة. وعندما وسعت العربية علوم الدنيا في حينه، توسعت الأفق وصار التسامح سمة بارزة لهذه الفترة الذهبية من تاريخ الحضارة العربية والإسلامية. وانطلق الفكر النقدي وازدهرت الدراسات النقدية التي لم تعد تقبل بالنقل، بل بالعقل. وصرنا في حينه أمام ظاهرة فريدة أضحى فيها للفرق الفكرية والعلمية والفلسفية المختلفة هامش من الحرية للتعبير عن ذاتها وآرائها ومواقفها دون خشية وفي كل مناحي الحياة تقريبا. لم يلحق العرب في عصرنا هذا بالمستوى التنويري الذي وصله أجدادهم في تلك العهود من تملك لناصية العلم والمعرفة والترجمة والنقد العقلي والمنطقي للحياة. وأكاد أجزم أن العرب اليوم يفتقرون إلى هامش الحرية الذي كان متوافرا لأجدادهم في ذلك الزمان، حيث كانت المواطنة والأهلية والمكانة لا تتبع اللون والدين والمذهب والعرق. كان التمكن من اللغة العربية هو المعيار.
إنشرها