أخبار اقتصادية- محلية

مختصون دوليون لـ"الاقتصادية" : الإنفاق الرأسمالي الضخم في الميزانية السعودية يحفز الاستثمارات الأجنبية


بات اهتمام الإعلام العالمي عامة، والغربي تحديدا، بالإعلان السنوي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عن الميزانية العامة للسعودية، بات تقليدا راسخا في المؤسسات الإعلامية الغربية.
فالسعي إلى تحليل الميزانية السعودية بدقة، واتخاذها منصة لاستشراف الأفق الاقتصادي للمملكة، والسعي إلى قراءة عناصرها الأولى لفهم طبيعة المسار الاقتصادي للرياض، جزء لا يتجزأ من التغطية الإعلامية الدولية للأحداث الرئيسية.
وفي الواقع، فإن الترقب الدولي للميزانية السعودية زاد في الأعوام الأخيرة، خاصة منذ أن تبنت الحكومة السعودية مشروعها الطموح "رؤية 2030"، إذ تمثل الميزانية بشكل كبير الكيفية التي ستترجم بها الرياض جهودها لتنفيذ تلك "الرؤية"، لتفتح بذلك آفاقا كبيرة للتغير بجوانبه المتعددة، وهو ما يدفع وسائل الإعلام الدولية إلى التوقف عند الخطوط العامة للميزانية لتفحصها، دون تجاهل تفاصيلها التي قد تمثل قوة الدفع الحقيقية لإنجاز المشاريع التنموية التي تستهدفها المملكة.
"الاقتصادية"، استطلعت آراء مجموعة من المختصين الاقتصاديين الدوليين للتعرف على تفاصيل قراءتهم للميزانية السعودية، وتصوراتهم بشأن مدى نجاحها في دعم "رؤية 2030"، وإلى أي مدى يمكن أن تنجح في جذب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في الاقتصاد السعودي؟ وهل تفلح في تعزيز معدلات النمو الاقتصادي ضمن خطة أوسع للتنمية المستدامة؟ والأهم هل تصب الميزانية في تحول الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط، إلى اقتصاد يتسم بالتنوع والمرونة والقدرة على مواجهة التقلبات الراهنة والمتوقعة في الاقتصاد العالمي؟
الدكتورة إيلين ديفيد أستاذة الاقتصاد المقارن، ترى أن ميزانية العام تمثل استكمالا للمسار التنموي الذي تبنته المملكة منذ طرح الرؤية التنموية الشاملة "رؤية 2030".
وتضيف أن "حجم الانفاق الرأسمالي في ميزانية عام 2019 غير مسبوق، وفي ميزانيات بتلك الضخامة، يوجد شعورا وقناعات لدى صناع السياسة الاقتصادية عامة والميزانية خاصة، بإمكانية التساهل في الإنفاق، لكن مع ذلك نجد الميزانية قد حصنت بشكل يجعل من الترشيد المالي رغم ضخامة الإنفاق الحجر الأساس في الرؤية التي صيغت بها".
وتشير ديفيد إلى أنه "من الواضح أن تلك النقطة مثلت محور الاهتمام هذا العام، فرفع الكفاءة المالية عبر الإنفاق الرشيد، والشفافية التامة في الأداء الحكومي سيكون لهما الدور الرئيسي في خفض معدلات العجز في الميزانية العامة، التي يتوقع أن تبلغ 4.6 في المائة". ويربط البروفيسور ميتشال توم أستاذ المالية العامة الميزانية السعودية لعام 2019 بجانبين رئيسيين الأول يتعلق بزيادة الإيرادات والثاني يرمي إلى تنويع الإيرادات.
ويضيف توم أن "الحرص على ترشيد الإنفاق في ميزانية هذا العام، ارتبط بشكل واضح بالوعي المتبلور لدى القيادة السعودية، بأن الميزانية لتكون جذابة لفئات المجتمع المختلفة، وقادرة على إقناع رؤوس الأموال الأجنبية بالاستثمار في المملكة، عليها أن تستهدف رفع مستوى معيشة المواطن السعودي، وإذا أخذنا في الاعتبار الزيادة السنوية لعدد السكان، فإنه لم يكن من المتوقع تحسين مستويات المعيشة دون زيادة الإيرادات العامة".
ويستدرك توم قائلا "لكن الأبرز أن هناك إرادة واضحة بتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط مستقبلا، ومن الواضح أن هذا يترسخ باعتباره قرارا استراتيجيا للمملكة، ويظهر ذلك في تفاصيل الميزانية حيث يتوقع أن تتجاوز الايرادات غير النفطية 300 مليار ريال سعودي، وهذا بلا شك مسار تنموي طويل، وعلى الرغم من أهمية عامل الزمن في تحقيق هذا الهدف، إلا أنه المهم أن يحدث ذلك بطريقة متوازنة وتدريجية حتى لا يتعرض الاقتصاد السعودي لهزات غير محسوبة، ويصبح أكثر قدرة مع مرور الوقت في التغلب على التقلبات التي تتعرض لها الاقتصادات الناشئة نتيجة الحراك الاقتصادي العالمي، وما يتضمنه من منحنيات صعود وهبوط".
فيما يرى جون كوبر المختص الاستثماري في مجموعة "إل. دي. وارلد" الاستثمارية أن ميزانية 2019 ترمي إلى تعزيز المكانة الاستثمارية للسعودية، عبر إظهار قدر أعلى من الجاذبية الاستثمارية سواء عبر مواصلة الإصلاح الاقتصادي أو تعزيز مكانة القطاع الخاص المحلي.
ويضيف كوبر أن "ميزانية العام تكشف عن مواصلة القيادة السعودية عملية الإصلاح الاقتصادي بشكل شامل وجذري، وعلى الرغم من أن ضمان ترشيد الإنفاق جزء أساسي في تلك الخطة، إلا أن هناك اتجاها واضحا لدعم القطاع الخاص لضمان الاستغلال الأمثل للموارد، وهذا يكشف عن مواصلة الرياض للاتجاه الذي تبنته وفقا لـ "رؤية 2030" بمنح القطاع الخاص دورا أكثر ريادية في التنمية الاقتصادية".
ويرى المختص الاستثماري أن مفهوم دعم القطاع الخاص الذي بات مهيمنا في صنع القرار الاقتصادي في المملكة، ترافق مع جهود حثيثة تبذل لدعم البنية التحتية، وعبر تلك الآلية تبعث القيادة السعودية برسالة مباشرة لرؤوس الأموال الدولية، بأن السعودية لا ترحب فقط بالاستثمارات الأجنبية، إنما تمتلك عوامل موضوعية لأن يصبح الاستثمار فيها شديد الربحية للمستثمرين الأجانب، خاصة في ظل برامج التحفيز الاستثماري لتنمية القطاع الخاص والقطاعات والأنشطة الاقتصادية الجديدة.
إلا أن كوبر يشير إلى حاجة الرياض لتبنى تدابير فعالة للتغلب على العقبات البيروقراطية للجهاز الإداري في المملكة، وعلى الرغم من قوله إن الانطباع العام لدى المستثمرين الأجانب في السنوات الماضية يشير إلى أن السعودية قد أفلحت بشكل ملحوظ وسريع في خفض حدة التعقيدات البيروقراطية، التي أدت سابقا إلى تركز الاستثمارات الأجنبية في عدد محدود من القطاعات، فإن أغلب التوقعات تشير الآن إلى أن ميزانية هذا العام، وما تضمنته من إنفاق مالي غير مسبوق في المملكة، ستمثل عنصرا رئيسيا قادرا على جذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى قطاعات غير تقليدية في المملكة، ما يتمشى مع الهدف الأساسي بزيادة الإيرادات المالية غير النفطية.
ويعتقد الدكتور إحسان العمري أستاذ الاقتصاد الكلي الزائر في جامعة نيوكاسل، أن أحد أبرز المميزات التي اتصفت بها الميزانية السعودية لعام 2019، أن مفهوم النمو المستدام ترافق مع مفهوم التنمية المتوازنة.
ويضيف قائلا "يلاحظ أن الميزانية لم تقف عند الحدود التقليدية، عبر استهداف تحقيق أعلى معدلات النمو فحسب، بل هناك رغبة حقيقية تمت ترجمتها عبر آليات الإنفاق العام، بأن تمتد معدلات النمو إلى جميع مناطق المملكة، وهذا سيساعد بشكل ملحوظ على أن يتصف الاقتصاد السعودي مستقبلا بمزيد من التوزان، وأن تتحول الاستثمارات المتنوعة في مختلف المناطق الجغرافية لرافعة مستقبلية للاقتصاد السعودي ككل".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية