وضعنا حدا للاعتماد على النفط

|

لقد أثبت كثير من الدراسات الاقتصادية أن الاقتصاد السعودي يعاني أمرين معا، وكان لهما أثر كبير سلبي على مسيرة التنمية في البلاد. الأول هو التأثير الحاد لتقلبات أسعار النفط على الصرف والإنفاق، والثاني هو غلبة الإنفاق التشغيلي على الإنفاق الرأسمالي. وقد كان تأثر تقلبات أسعار النفط حادا على الاقتصاد بل كان يشكل عبئا كبير على طريق التنمية بكل تفاصيله فإذا هبت رياح الأسعار على أشرعة الاقتصاد نما وازدهر وتحركت الأسواق وتحققت طفرات واسعة ونمت الاحتياطيات، وكلما هدأت الرياح أو عكست الاتجاه جاء الركود والانتظار الطويل وتآكلت الاحتياطيات، وهذا التقلب كان له من الآثار ما هو مدرك حول توقف المشاريع وانحسار التنمية وخلل في التوازن، وما لا يدرك حيث لم يزل أثره في صعوبة رسم السياسات الاقتصادية طويلة الأجل، فالمتتبع لتقلبات المالية العامة مثلا يجدها قد تجلت فائضا في عام 2000 بلغ 23 مليار ريال، (الإيرادات 258 مليار ريال والنفقات 235 مليار ريال). ثم عادت وسجلت عجزا في عام 2001، بلغت قيمته 27 مليار ريال، (الإيرادات 228 مليار ريال والنفقات 225 مليار ريال)، ثم فائضا 36 مليارا عام 2003، ثم استمرت الفوائض حتى عام 2008 الذي سجل فائضا قياسيا وصل 581 مليارا ثم انقلب الحال تماما عام 2009، لتسجل الميزانية عجزا بلغ 87 مليار ريال، وهذا التقلبات بين فوائض وعجز، يجعل التخطيط صعبا والتنبؤ محفوفا بالمخاطر، حتى مع إطلاق "رؤية المملكة 2030"، كانت الأسئلة تدور حول كيف والاقتصاد يتقلب على نار أسعار النفط، ولكن برامج الرؤية خاصة برنامج التوازن المالي وضع حدا لهذا الموضوع وما أعلنته المالية العامة عن ميزانية عام 2018 وموازنة 2019 يوضح ذلك بجلاء.
الأمر الثاني الذي أثر في التنمية طوال عقود هو غلبة الإنفاق التشغيلي على الإنفاق الرسمالي، وهذا بمعناه التنفيذي هو توجيه ميزانية الجهات الحكومية نحو البابين الأول والثاني وكذلك الثالث نوعا ما، ومع قلة الإنفاق الرأسمالي الموجه نحو المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، وحتى عندما يتم توجيه الدعم للمشروعات الرأسمالية فإن غلبة الإنفاق التشغيلي تطغى حتى على آليات الاختيار، وليست الجدوى الاقتصادية، وكانت تحدث مناقلة بين الأبواب والبنود بما يعزز البنود التشغيلية أكثر من غيرها، وإذا وضعنا هذا الأمر جنبا إلى جنب مع أثر التقلبات في أسعارالنفط فإن النتيجة دائما تأتي على حساب التنمية والتوازن فيها بين المناطق بشكل خاص
لقد جاءت "رؤية المملكة 2030" وبرنامج التوازن المالي لمعالجة هذا الخلل العميق والمؤثر جدا في قضايا التنمية واستدامة الاقتصاد السعودي، حيث ركز برنامج التوازن المالي على معالجة الاعتماد على النفط، ومعالجة تأثير تقلبات الأسعار على المالية العامة فتم تنويع مصادر الدخل وقد حققت المملكة نجاحا بارزا في هذا الأمر خلال الميزانية العامة للدولة لعام 2018، وكذلك أظهرت الموازنة التقديرية لعام 2019 أثر ذلك الإصلاح، حيث تراجع العجز بنسبة كبيرة ففي عام 2017 بلغ العجز 238 مليارا (9.3 في المائة من الناتج المحلي) بينما بلغ في 2018 (136 مليـار ريـال أي نحـو 6.4 في المائة) (مقابــل عجــز 195 مليــار ريــال فــي الموازنة التخطيطية المقدره للعام نفسه)، وهذا يأتي رغم تقلبات الأسعار النفطية التي تراجعت من 85 دولارا حتى أقل من 58 دولارا، وهذا مؤشر قوي على نجاح الإصلاحات وتأثيرها العميق في سلوك الميزانية العامة حيث تشير الموازنة المخططة للعام 2019 إلى تراجع العجز بشكل ملحوظ ليصل إلى 2.4 في المائة بالرغم بالتالي الاقتصاد ككل. فقد أشار تقرير وزارة المالية إلى أن الناتـج المحلـي نمـا بنحـو 1.4 في المائة وتشير التقديرات إلى أنه سيصل إلى 2.6 في المائة مع نهاية عام 2019، وبينمـا حقـق الناتـج المحلـي غيـر النفطـي الحقيقــي نمــوا بمقــدار 2.0 في المائة كمــا حقــق الناتــج المحلــي النفطــي الحقيقــي نمــوا بمعــدل 1.0 في المائة، هنا يتضح أثر الإجراءات على التنوع النمو الاقتاصدي وبدء انحسار مشكلة الاعتماد على النفط. ومن المتوقع – وفقا لما نشرته وزارة المالية – أن تصل إيرادات عام 2018 إلى 895 مليــار ريــال، نتيجــة لزيــادة الإيرادات النفطيــة وغيــر النفطيــة، كما سيستمر هذا النمو الكبير جدا في التقديرات، حيث من المتوقع أن تصل الإيرادات في عام 2019 حتى مستوى 975 مليارا بزيادة تقترب من 10 في المائة وهي الأكبر في تاريخ المملكة العربية السعودية وبأسعار نفط متدنية، وهذا التوقع الجيد يأتي مع نجاح خطط التنويع الاقتصادي واستحداث مصادر جديدة للدخل من بينها الجمارك وضريبة القيمة المضافة والسلع المنتقاة، إضافة إلى تحسن ملحوظ في إجراءات تحصيل الإيرادات العامة وإيداعها في حساب وزارة المالية مباشرة، ومن اللافت للنظر في إعلان الميزانية العامة للدولة التفصيل الواضح في جوانب الدخل العام التي أظهرت تفاصيل كبيرة للإيرادات خاصة في الضرائب التي لم تكن المالية العامة تعلن عنها من قبل.
وفي جانب معالجة أوجه الصرف وضبط الإنفاق ومعالجة التوازن بين الإنفاق التشغيلي والرأسمالي التي أشرت إليها أعلاه، فقد جاءت الميزانية العامة لعام 2018 بنحو 1.030 مليار ريال بارتفاع عن الميزانية المعتمدة بنحو 5.4 في المائة، ومعظم هذا الإنفاق تم توجيهه للمشاريع الرأسمالية ذات الجدوى العالية، وهذا هو معنى ضبط الإنفاق، وليس المقصود منه التقشف بل جدولة الصرف حيث تأخذ المشاريع أولوية أساسية على الإنفاق التشغيلي، تبلغ تقديرات النفقات الرأسمالية خال العام المالي 2019 نحو 246 مليار ريال وهوما يشكل 22.2 في المائة من إجمالي النفقات بزيادة 19.9 في المائة عن عام 2018 م وذلك من أجل تمويل مشاريع برامج تحقيق "رؤية المملكة 2030" وتطوير البنية التحتية لتحسين مستوى الخدمات للمواطنين ولتحفيز النمو الاقتصادي والمساهمة في توليد مزيد من فرص العمل للمواطنين إضافة إلى تمويل المشاريع الجديدة والكبرى. وسوف تزداد نسبة الإنفاق الرأسمالي إلى إجمالي الإنفاق الحكومي من 19.9 في المائة في عام 2018 م إلى 23.7 في المائة في عام 2021 م. ويبلغ متوسط نمو النفقات الرأسمالية 5.9 في المائة على المدى المتوسط. ويوضح الرسم البياني التالي تطور النفقات التشغيلية والرأسمالية على المدى المتوسط.
وبرغم هذا التوجه نحو الإنفاق الرأسمالي فإن التوازن سمه عامة في العمل حيث اشار بيان وزارةالمالية لكفاءة الإنفاق الاجتماعي أيضا وبرامج الدعم الحكومي ومن ضمنها برنامج حساب المواطن، والاستمرار في سياسة رفع كفاءة الإنفاق الحكومي لضمان تحقيق أفضل العوائد على الإنفاق. ومن الملاحظ أن الزيادة التي ظهرت بين تقديرات الموازنة لعام 2018 والبيانات التي نشرتها المالية بالأمس فإن الزيادة التي شهدتها المصروفات وبلغت قريبا من 5 في المائة لم تنتج عن مشاكل في الكفاءة بل من جراء إعادة العلاوة السنوية وصرف بدل غلاء المعيشة للموظفين المدنيين والعسكريين وكذلك المتقاعدين، وهذا يدل على الضبط الذي شهدته المالية العامة، فلقد كانت المصروفات تسجل تجاوزات تعادل 20 في المائة سنويا، حتى أصبح متخذ القرار يتوقع ذلك، إلا أن الانضباط جاء مناسبا مع إعلان التبريرات بشكل واضح للتجاوزات التي ظهرت وهذا بالتأكيد له أثره الإيجابي على التخطيط من حيث أن المصروفات المتوقعة لعام 2019 ستصل إلى 1.106 مليار والدين العام سيصل إلى 678 مليارا.

إنشرها