الملك عبدالعزيز وبناء الإنسان

|
قبل قرابة 85 عاما في يوم الرابع من صفر من عام 1352هـ الموافق 29 أيار (مايو) عام 1933، وقع الإمام المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط مع شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا، بعد أن لوحظ انتعاش اكتشاف النفط في البحرين. بدأ توافد الجيولوجيين وفرق عمل التنقيب، ونزلوا في مدينة الجبيل التي كانت "قرية" ساحلية آنذاك، تبعد قرابة 105 كيلومترات عن مدينة الدمام شمالا. بعد ذلك واصلوا عملية التنقيب عن النفط حول جبل "البري"، الذي يبعد 11 كيلومترا عن الجبيل، ومن ثم توجهوا إلى جبل الظهران، الذي لم يكن التنقيب فيه ذا جدوى لمدة عامين متواصلين. في 30 نيسان (أبريل) 1935، تقرر بدء حفر بئر الدمام رقم "1"، وبعد سبعة أشهر تقريبا سجلت مؤشرات مشجعة لوجود النفط؛ حيث أنتجت البئر دفعة قوية من الغاز، لكن قدر الله أن يتم إغلاق البئر، التي بلغ عمقها 700 متر بالأسمنت؛ نتيجة عطل فني في إحدى معدات الحفر. استمرت عملية الحفر في بئر الدمام "2"، وفي حزيران (يونيو) 1936 تدفق النفط من هذه البئر بمعدل 335 برميلا يوميا، وبعد أسبوع تقريبا تخللته محاولة تحسين كفاءة الإنتاج بضخ بعض الأحماض، ارتفع الإنتاج إلى قرابة 3840 برميلا يوميا، وهي نقلة نوعية بلا شك، شجعت على الاستمرار في حفر آبار أخرى، مثل بئر الدمام رقم "4 و5 و6 و7". لا يخفى على أحد أن نعمة النفط، التي مَنَّ الله بها على وطننا العزيز، كانت - وبلا شك - المحرك الأساس لتطور المملكة في شتى النواحي. لا يمكن هنا إغفال دور المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - ورؤيته البعيدة الثاقبة للاستفادة من هذه النعمة في التنمية. وقبل أن تبدأ الشركات الأمريكية أعمال التنقيب في السعودية، اشترط عليهم الملك عبدالعزيز وحثهم بشدة على أن تقوم هذه الشركة بتعليم الكوادر الوطنية وتطويرها وتهيئتها لإدارة الدفة في المستقبل، وأن يكون لها دور فعال في نقل المعرفة. أود أن أشير هنا إلى دور "أرامكو السعودية" المهم جدا في تطبيق هذه الرؤية، وترجمتها على أرض الواقع، والشواهد كثيرة على ذلك، لا يمكن حصرها في مقال، فليس بالمستغرب أن تجد رجلا في الـ60 من عمره في المنطقة الشرقية يخبرك أنه درس مرحلة الروضة قبل 55 عاما؛ أي في زمن تعاني فيه كثير من الدول الأمية، وشح المدارس! كان المؤسس - طيب الله ثراه - يؤمن إيمانا كاملا بالعلم والتعليم، ومن أقواله: "اعلموا أن العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، وأن العلم كما يكون عونا لصاحبه يكون عونا عليه، فمن عمل به كان عونا له، ومن لم يعمل به كان عونا عليه، وليس من يعلم كمن لا يعلم، قليل من العلم يبارك فيه خير من كثير لا يبارك فيه، والبركة في العمل"، ويقول: "المدنية الصحيحة هي التقدم والرقي، والتقدم لا يكون إلا بالعلم والعمل". رحم الله الملك عبدالعزيز، فكم من دولة غنية بالنفط بقيت على حالها منذ اكتشافه.
إنشرها