طريق النجاح .. ماذا عن «المثابرة والشغف»؟

|

النجاح ليس وجها واحدا، بل وجوه متعددة. قد نجده في ملمس الرخاء المادي الذي يحققه إنسان ناجح، أو قد نراه في تميز علمي توصل إليه، أو ربما نجده في عمل أدبي قام بإبداعه، أو قد يظهر في عطاء مهني تراكم من خلال عمله عبر السنين، أو أي إنجاز آخر، أو أي هدف تطلع إليه واستطاع تحقيقه، وحصل منه على عائد مادي أو تقدير معنوي وصل به إلى النجاح. ولا شك أن كل إنسان يود أن يكون ناجحا في حياته. وهناك عوامل كثيرة مختلفة للنجاح يقوم المفكرون بطرحها، ويسعى الباحثون إلى دراستها للكشف عن "وصفة" للنجاح تعطي معرفة جديدة، يمكن أن تفيد الناشئة في توجيه مسيرة حياتهم نحو مستقبل مشرق.
هناك من طرح أثر الذكاء الفطريInnate Intelligence كعامل رئيس من عوامل النجاح. وغالبا ما يعبر عن هذا الذكاء بمقياس "حصيلة الذكاء IQ"، لكن هناك من يختلف مع تبني هذا المقياس، ويضع مقاييس أخرى لتقييمه مثل "تعدد مجالات الذكاء" Multiple intelligences، أو حتى لتطويره مثل "العقلية النامية" Growth Mindset. وهناك من رأى في "الذكاء العاطفي" Emotional Intelligence، القابل للتعلم والتطوير، وسيلة مهمة للنجاح. ثم هناك من أخذ الصفات الشخصية للإنسان في الحسبان كعوامل رئيسة للنجاح، ورأى أن العمل على تطوير هذه الصفات ضرورة لتفعيل النجاح. ولعل من أشهر الصفات الشخصية المتداولة في هذا المجال تلك المعروفة "بالصفات الخمس الكبرى" Big Five Traits، وتشمل هذه الصفات: "الانفتاح" Openness، و"الوعي والضمير الحي" Conscientious، و"الميل إلى الحياة الاجتماعية" Extraversion، و"التوافق مع الآخرين" Agreeableness، و"الحالة العصبية" Neuroticism.
إضافة إلى ما سبق، هناك أيضا من يربط النجاح بالسعادة، ويعتبر أن الناجح هو من يحقق السعادة في الحياة. ولا شك بالطبع أن جزءا مهما من سعادة الإنسان يكمن فيما يحققه من أهداف، وما يقوم به من منجزات تقوده إلى النجاح، لكن هناك جزء آخر للسعادة مهم أيضا، يكمن في الحياة الاجتماعية، وبيئة المحبة والمودة والصداقة التي يحتاج إليها الإنسان من حوله. ولا شك أن هناك أفكارا أخرى كثيرة في موضوع النجاح، الذي يطمح كل فرد إلى تحقيقه لينعم بمعطياته ماديا، أو معنويا، أو الاثنين معا. وسنطرح - فيما يلي - سؤالا حول دور صفة "المثابرة" Grit في النجاح. تتميز هذه الصفة بأنها مطلوبة لكل إنجاز، في أي مجال من المجالات، كي يحقق صاحبه النجاح. وهناك دراسة مسحية حول هذه الصفة، أجراها فريق من أربعة باحثين من ثلاث جامعات أمريكية، شملت عددا كبيرا من المشاركين، وتم نشرها عام 2007 في "مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي JPSP". رأت هذه الدراسة أن "صفة المثابرة" تتمتع بأهمية كبرى في النجاح، إلى جانب عوامل النجاح الأخرى. وكشفت بصورة خاصة عن وجود بعض التوافق، في الأثر على النجاح، بين صفة المثابرة والصفات الشخصية الخمس الكبرى سابقة الذكر، لكنها لم تجد أي توافق، ولا أي تناقض، بين "المثابرة" ومستوى الذكاء الفطري الذي تقيمه "حصيلة الذكاء IQ".
أعطت الدراسة وسيلة للتعرّف على أصحاب صفة "المثابرة". وتمثلت هذه الوسيلة في مجموعتين من الأسئلة الاختبارية: تضمنت إحداهما "ست حالات إيجابية تؤكد صفة المثابرة"، وشملت الأخرى "ست حالات سلبية تعاكس هذه الصفة". وتبنت الدراسة خمسة مستويات لتقييم كل حالة من الحالات، سواء السلبية أو الإيجابية. وعلى أساس تقييم الحالات وجمع نتائجها، تحدد الدراسة "مستوى المثابرة" لدى من يجيب عن الأسئلة، على أن يجيب عنها بأمانة لا شبهة فيها. وتكرر كل من الحالات السلبية والحالات الإيجابية نفسها بأساليب مختلفة لتوثيق صفة "المثابرة" لكل من يخضع للتقييم.
شملت الحالات الإيجابية قضايا: العمل بجدية، والتصميم والاجتهاد فيه، وإكمال الأعمال التي يتم البدء فيها، والعمل على تحقيق الأهداف وإن طال الزمن، ومواجهة المصاعب دون إحباط، والقدرة على التغلب عليها. أما الحالات السلبية فتضمنت قضايا: تغير الأهداف الشخصية، وتغير تركيز الاهتمامات كل بضعة أشهر، أو حتى بين سنة وأخرى، والتأثر بالأفكار والمشروعات الجديدة وإهمال ما سبقها، والصعوبة في التركيز على فكرة أو مشروع فترة طويلة، حتى إن وصل التركيز إلى مستوى متقدم في البداية.
وترتبط صفة "المثابرة"، بل تتعزز أيضا، بصفة "الشغف" Passion في الموضوع المطروح. ويأتي الشغف في أي موضوع من الهواية والرغبة، وربما من التوافق مع الإمكانات الذاتية. ولعل هذا الأمر يعود بنا إلى فكرة "العنصر" Element المطروحة في كتاب يحمل هذا العنوان، وضعه كين روبنسون Ken Robinson. تقول الفكرة إن لكل إنسان مجالا محددا يتفوق فيه، هو "عنصره"، أو هو محور "الموهبة" التي يتمتع بها، وهو يستمتع بالعمل في هذا المجال؛ حيث يتوافق ذلك مع إمكاناته ورغباته. وعلى ذلك فإن "مثابرة الإنسان في مجال عنصره تصبح شغفا" يعزز عطاءه، ويصل به إلى مزيد من النجاح.
ماذا لو جمعنا عوامل النجاح المختلفة معا ووضعنا خطة ومناهج لتنميتها في الناشئة، عبر مراحل التعليم المختلفة؟ عامل "الذكاء الفطري" وأساليب العمل على الارتقاء به سيعطياننا تميزا فكريا خاصا. وعامل "الذكاء العاطفي" سيقدم لنا سلوكا قويما في العمل والتعامل. وعامل "الصفات الشخصية الخمس الكبرى" سيعطينا شخصيات اجتماعية قادرة على التوافق والتعاون. وعامل "المثابرة"، وتعزيزها "باكتشاف العنصر" و"الشغف" سيقدم لنا إرادة للعمل، واجتهادا فيه، وإنجازا وعطاء نتطلع إليه، وصولا أيضا إلى تحقيق "السعادة" في الحياة. وهذا الجمع بين العوامل المختلفة سيعطينا إنسانا متميزا ومؤهلا للنجاح، والإسهام في التنمية، وتفعيل استدامتها، وربما التميز كقدوة يحذو حذوها الآخرون. وفي الختام، لعله لا بد من الإشارة إلى أن "الأخلاق" يجب أن تكون منطلقا للمثابرة في العمل على تحقيق النجاح المنشود، فنحن أمة من قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ولعله لا بد من القول أيضا إن نجاح الأفراد عطاء ونجاح لمجتمعاتهم، فالإنسان الناجح يتميز بتفوق عطائه على متطلباته.

إنشرها