FINANCIAL TIMES

اعتقال كارلوس غصن يسلط الضوء على نظام العدالة الياباني

24 يوما من الاحتجاز دون تهمة. استجوابات دون محام. ونسبة حدوث إدانة جنائية 99.97 في المائة. اعتقال كارلوس غصن لم يسلط الضوء فقط على شركة نيسان التي كان رئيسها، ولكن على نظام العدالة الجنائية الفريد في اليابان أيضا.
الطريقة التي عومل بها غصن، بعد القبض عليه بشبهة تخفيض أجره في تقارير الشركة، أثارت الغضب في فرنسا (فهو لا يزال الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة "رينو" وحاملا للجنسية الفرنسية). لكن وفقا للناشطين الذين ينتقدون الشرطة اليابانية منذ فترة طويلة وللمدعين العامين، هذه الأشياء نفسها تحدث للمشتبه بهم غير المشهورين في فرنسا وتعد أمرا طبيعيا.
لم يتم توجيه أي اتهامات لغصن بعد، لكن لأن العالم كله يراقب هذه القضية، فإن الصدقية الدولية للقانون الياباني – ليس فقط مستقبل تحالف "رينو – نيسان" – تعتمد على أن يكون تطبيق العدالة ظاهرا للعيان.
توشينوري وادا، أستاذ بجامعة كيو في طوكيو، قال إن اليابان بنت قانونها الجنائي على أساس قانون الإمبراطورية الألمانية. ومثل ألمانيا، نظام اليابان هو نظام قائم التحقيقات، إذ تشارك المحاكم بشكل كبير في التحقيق في وقائع القضية. التشريعات القانونية الأساسية عامة نسبيا، ما يعطي القضاة سلطة تقديرية واسعة.
لكن بعد الحرب العالمية الثانية، وقعت اليابان تحت تأثير الولايات المتحدة. قال وادا: "ظل القانون الجنائي شبيها بألمانيا، لكن قوانين الإجراءات الجنائية تم تغييرها بما يتماشى مع النظام الأمريكي". في نظام التقاضي الأمريكي، تقع مسؤولية جمع الأدلة على عاتق المدعي العام والمدعى عليه.
النظام الهجين الذي نتج عن ذلك يتيح للمدعين العامين مجالا كبيرا. القانون، مثل القانون المتعلق بمسؤولية التنفيذيين بشأن البيانات المالية، غامض بما فيه الكفاية، بحيث يمكن تفسير الحالات المختلفة على أنها جريمة. الرقابة على التحقيقات من جانب المحكمة خفيفة. على عكس ألمانيا، المدعون العامون غير ملزمين برفع دعوى.
الحقيقة الأخيرة، وفقا للمحامين، هي السبب الرئيس في معدل الإدانة المرتفع بشكل استثنائي في محاكمات اليابان. قال هيرويوكي كامانو، المحامي المخضرم: "يتمتع مكتب المدعي العام بسلطة تقديرية حول ما إذا كان ينبغي مقاضاة شخص ما أم لا. إذا لم يكونوا واثقين من أنهم سيكسبون القضية، لن يتابعوها".
المدعون العامون هم موظفون رسميون ينتقلون إلى وظيفة جديدة كل عامين أو ثلاثة، وفي حين أن الإدانات البارزة تساعدهم مهنيا، إلا أن أهم ما عليهم هو تجنب الأخطاء – مثل تبرئة محرجة. وعلى عكس معدل الإدانة المرتفع في المحاكمة، فإن معدل الإدانة بعد الاعتقال يبلغ 40 في المائة فقط، ما يفسر العدد الكبير من الحالات التي تسقط خلال الإجراءات.
هذه الحوافز تفسر أيضا عديدا من الجوانب الأخرى لتصرفات النيابة العامة، مثل تصميمها على انتزاع الاعترافات خلال 23 يوما من الاعتقال، مع استمرار الاستجواب لمدة تصل إلى ثماني ساعات كل يوم. لا توجد كفالة قبل صدور الاتهام.
في قضايا الموظفين الإداريين، تسريبات وسائل الإعلام اليابانية تساعد في بناء الزخم وتعزيز قضية قد تكون غير مؤكدة في القانون. قال كامانو: "خلافا لذلك، ليس من السهل عليهم اكتساب الشرعية لاتهام شخص معروف مثل غصن". منذ الاعتقال، أصبحت الصحف المحلية مليئة بالادعاءات حول أسلوب حياة غصن وتصرفاته. مقاضاة تاكافومي هوري، الرئيس التنفيذي السابق لـ "ليفردور"، بتهمة تزوير أوراق مالية اتخذت نمطا مماثلا في عام 2006.
في حال لم تكن الأيام الـ 23 الأولى كافية، يستطيع ممثلو النائب العام إعادة اعتقال المشتبه به بناء على ادعاء مختلف. اعتقال غصن كان بسبب البيانات المالية لـ "نيسان" خلال الفترة من عام 2010 حتى عام 2014. أحد الخيارات المتاحة للمدعين العامين في طوكيو هو إعادة اعتقاله بسبب الأعوام المالية اللاحقة، ما يمنحهم فترة 20 يوما أخرى لاستجوابه. لكن التدقيق الدولي في قضية غصن قد يجعلهم يتمهلون. لطالما جادل النشطاء بأن النظام يتسبب في إدانات خاطئة. في عام 2014 تم إطلاق سراح إيواكو هاكامادا، السجين الذي انتظر أطول مدة في العالم لتنفيذ حكم بالإعدام، بعد 46 عاما. كانت هناك شكوك في أن المحققين لفّقوا بعض الأدلة ضده.
منظمة "هيومن رايتس ناو" قالت في عام 2017 إن 23 يوما من الاحتجاز "تثير مخاطر إساءة (استخدام سلطة) الشرطة وتجريم الذات القسري" وأضافت "على الرغم من وجود سلسلة من حالات فشل تطبيق العدالة، إلا أن الحكومة اليابانية لا تزال تفشل في إجراء معالجة صحيحة للأسباب الأساسية للإدانات الخاطئة".
في ردة فعل على هذه المخاوف، كانت هناك بعض الإصلاحات في النظام الياباني. قال وادا ليس النشطاء فقط، بل المحاكم أيضا أصبحت غير راضية عن احتجاز المشتبه بهم لأسابيع. وأضاف: "في الآونة الأخيرة، هناك مزيد من الحالات التي ترفض فيها المحكمة تمديد فترة الاحتجاز".
في عام 2009، أدخلت اليابان نظاما للقضاة غير المختصين، الذين يختارهم العامة بشكل عشوائي والذين يشاركون في لجنة مع قضاة محترفين في محاكمات تتعلق بجرائم خطيرة. الإصلاح الأخير يتطلب من الشرطة تصوير فيديو الاستجوابات في بعض الحالات للوقاية من انتزاع اعترافات كاذبة.
في نهاية الأمر، في حين أن القواعد الإجرائية تجتمع ضد المدعى عليه، إلا أن الاتهامات لا تزال تتطلب إثبات – تُعرف العدالة اليابانية بدقتها الشديدة. إذا وجه المدعون العامون الاتهامات إلى غصن، سيكون هو المشتبه به النادر الذي يمتلك الموارد اللازمة لشن دفاع عنيف، وسيضطرون إلى خوض معركة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES