تخلص من الخير الذي بداخلك

|
لا تستغرب هذه الجملة، ولا تغضب منها، بل اجعلها قانون حياتك، ولنرفع شعار "مت فارغا"، العبارة الملهمة التي اتخذها تود هنري المؤلف الأمريكي عنوانا لكتابه الصادر عام 2013! قد تظن للوهلة الأولى أنه يدعوك إلى التخلص من هموم الحياة وآلامها، وأن تعيش حياتك غير مبال بمن حولك، وكل هدفك طرد الخير الذي بداخلك، ولكن الجملة أعمق وأدق من ذلك. استقى هنري عنوان كتابه من مديره الذي سأل زملاءه في العمل: ما أثمن أرض في العالم؟ لتأتي الإجابات المتنوعة منهم من قال دول الخليج الغنية بالبترول، ومنهم من قال إنها إفريقيا التي تحوي مخزونا من الألماس، ليأتي رد المدير صادما: إنها "المقبرة"، نعم، المقابر تحوي أعظم ثروة؛ لأن كل من سكنها كان بداخله مخزون من الخير والعطاء أخفاه لسبب ما، أو لم يبادر لإخراجه فمات وفي جعبته كثير وكثير، أعجبت هنري الفكرة، وقرر تطبيق ما سمع، فكان كتابه "مت فارغا". لذا يدعوك هنري إلى التخلص من كل الخير الذي بداخلك وأنت تذهب إلى قبرك خفيفا ليس من الذنوب والمعاصي فقط، بل من الخير أيضا، فإذا كان لديك هدف فسارع في تحقيقه، وإذا كنت تملك فكرة فنفذها، وإذا كنت تحمل علما فبلغه، وإن كان بداخلك حب فانشره، وبلغ من تحب، لا تؤجل ولا تسوف، كن مبادرا دائما، لا تترك الخير داخلك، بل وزعه وانشره، ولعله هنا يدعونا إلى تطبيق مبدأ إسلامي دعانا إليه الحبيب صلى الله عليه وسلم قبل قرون وفي أحاديث كثيرة، منها حديث "إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث"، ومنها "علم ينتفع به". إذن، قيمتك فيما تترك، لا ما تحمله معك إلى قبرك، ومثله نهيه صلى الله عليه وسلم عن كتم العلم، ومن أعظم ما قيل في ذلك حديث المصطفى "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، يطالبك بإخراج ما في داخلك من خير، ليس فقط قبل موتك، بل في لحظات انتهاء الحياة كافة، فأي عظمة للبذل تتجلى في هذا الحديث كأحد معانيه وأسرار بلاغته! كن معطاء ملهما متفائلا، أطلق عنان الخير، أخرجه من قلبك وعقلك وستشعر بسمو روحك ونقائها، لن يبقى بداخلك حقد ولا حسد ولا غيره، وسيغمر فعلك الآخرين بالحب والسعادة، ونفسك بالرضا والراحة، خفف أحمالك من الخير والشر معا، حينها ستكسب نفسك قبل أن تكسب ود الآخرين.
إنشرها