المشراق

كبرى مجازر التاريخ .. المغول في بغداد والعثمانيون في مصر

هذه المقالة تتعلق بحادثتين بشعتين حَلَّتا بأرضنا العربية، وفيهما من البشاعة والإجرام ما يدمي القلوب، ويَكْلم الأفئدة، ومما زاد الألم ألما أن إحدى هاتين المجزرتين قام بها مسلمون على مسلمين دون شفقة أو رحمة. والمجزرة الرهيبة الأولى قام بها هولاكو وجيشه المغولي في بغداد، ذلك الجيش الوحشي الهمجي الذي لا يؤمن بدين من الأديان السماوية، ولا يعرف عرفا أخلاقيا في تعامله مع الآخرين سوى أن "القوة هي الحق". أما المجزرة الثانية فارتكبها السلطان العثماني سليم الأول وجيشه في أرض مصر، وعاناها المصريون أشد معاناة، ورغم أن هذا الجيش ينتسب إلى الإسلام إلا أن أفعاله لا تبعد كثيرا عما فعله المغول ببغداد، وقد شاهد جرائمهم ورآها رأي العين مؤرخ مصري معروف هو ابن إياس الحنفي، وسَجّل هذه المجازر، بوصفه شاهد عيان.
لقد شهدت الأرض جرائم ومجازر عديدة وبشعة بعد هاتين الحادثتين، لكن هذه المقالة تتعلق بالحادثتين المشار إليهما فقط.

المغول في بغداد

فَصَّل المؤرخ الشهير ابن كثير "ت 774هـ" حادثة سقوط بغداد ومقتل الخليفة على يد المغول وقائدهم هولاكو في كتابه الشهير "البداية والنهاية" في حوادث سنة 656هـ، وذكر أن جيش المغول 200 ألف أما جيش بغداد فعشرة آلاف، وأن الوزير ابن العلقمي هو الذي أقنع الخليفة أن يُخَفّض عدد الجيش من مائة ألف إلى عشرة آلاف، ويتهم ابن كثير هذا الوزير صراحة بأنه خائن ومتآمر مع المغول، وأنه كان يزودهم سرا بالمعلومات، ويخدع الخليفة. وسأقتبس من كلام ابن كثير بعض الفقرات، يقول ابن كثير "أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها. استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكو خان، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفا على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى... وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب... فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة. وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل إلى بغداد في 12 المحرم من هذه السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الأمر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه... ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون. وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار. ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا، بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة". ثم يذكر ابن كثير أن قتل الناس في بغداد استمر 40 يوما، وأنه اختلف في عدد القتلى فقيل 800 ألف، وقيل مليون و800 ألف، وقيل مليونان. ثم يقول "وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه". ويقول أيضا "ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الـ 40 يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس فيها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتن من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما نودي في بغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان في المطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى". ويورد أسماء طائفة من مشاهير القتلى كالخليفة، وبعض العلماء، والأمراء، والأعيان. ويورد رواية لا يجزم بصحتها "أنه أصاب الناس في هذه السنة في الشام وباء شديد، وذكروا أن سبب ذلك من فساد الهواء والجو، فسد من كثرة القتلى في بلاد العراق، وانتشر حتى تعدى إلى بلاد الشام، فالله أعلم".

العثمانيون في مصر

أبو البركات زين العابدين محمد بن أحمد بن إياس الحنفى الناصري القاهري "852- 930هـ"، مؤرخ مصري شهير له عديد من المؤلفات من اشهر تاريخ "بدائع الزهور في وقائع الدهور" الذي سجل فيه حوادث احتلال العثمانيين مصر.
تبدأ قصة استيلاء العثمانيين على مصر سنة 922هـ بعد هزيمة السلطان المملوكي المصري قانصوه الغوري في معركة مرج دابق قرب حلب على يد الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول، الذي استولى بعد هذه المعركة على مدينة دمشق. وفي أثناء مقامه في هذه المدينة بعث السلطان العثماني سليم رسالة تهديد ووعيد إلى سلطان مصر الجديد طومان باي يطالبه فيها بدفع خراج مصر إليه، وأن تكون له السلطة على الحرمين الشريفين، ويعلن نفسه فيها خليفة لله في الأرض، ويقول فيها كما ذكر ابن إياس "إني أخذت المملكة بالسيف بحكم الوفاة عن السلطان الغوري، فاحمل لي خراج مصر في كل سنة"، ثم يقول السلطان سليم "أنا خليفة الله في أرضه، وأنا أولى منك بخدمة الحرمين الشريفين"، ثم يبدأ بالتهديد قائلا "وإن أردت أن تنجو من سطوة بأسنا فاضرب السكة في مصر باسمنا وكذلك الخطبة، وتكون نائبًا عنا في مصر"، ثم يستمر في التهديد في حال رفض طومان باي الدخول في طاعته بأنه سيغزو مصر، ويقتل جميع من فيها من أتباع سلطان مصر، ويشق بطون الحوامل، ويقتل الأجنة في بطونها "ابن إياس الحنفي، 5: 125". وقد يبدو لمن يقرأ هذه الرسالة أن الغرض منها التهديد حتى يخاف سلطان مصر، وينصاع إلى أمره، إلا أن السلطان العثماني وفى بوعيده بل وأكثر، فغزا مصر، واستولى عليها، وقتل هو وجيشه النساء والأطفال والرجال في المساجد والمدارس والبيوت والشوارع والأسواق، وأخذوا الأحرار عنوة وباعوهم رقيقا، وقطعت الرؤوس وعُلّقت في كل مكان، ورميت الجثث في النهر والبحر بعد أن ملأت حارات بعض المدن، ووجدوا في مصر أناسا من أهل الحجاز فقتلوهم جميعا، وقتلوا كثيرا من العرب وغيرهم. ويرى المؤرخ ابن إياس أن هذه الحادثة هي أعظم مصيبة عاناها أهل مصر عبر التاريخ، وأنه لولا لطف الله لقتل العثمانيون أهل مصر جميعا، ويصف ابن إياس في صفحات عديدة ما فعله الجيش التركي العثماني، وسلطانهم سليم بمصر، ثم يذكر أن هذا السلطان لم تكن لديه أخلاق الملوك، ولا سياستهم، وأنه غدار لا أمان له، لم يفعل خيرا لمصر وأهلها، وأنه لا يظهر للناس إلا إذا أراد أن يقوم بمجزرة يقتل فيها الناس. أما جيشه فيصفهم بالقذارة، وقلة الدين، وأنهم لا يصلون جمعة ولا جماعة، ولا يصومون رمضان إلا قلة قليلة منهم، وأنهم هَمَج مثل الحيوانات. كما يبيّن ابن إياس مقدار ما نهبه السلطان سليم وجيشه من ثروات مصر، وينقل خبرا شاع في مصر أن هذا السلطان عاد إلى تركيا من مصر ومعه من الذهب والفضة حمولة ألف جمل، ثم يصف بقية ما نهبه هو ووزراؤه وقادته وجيشه. ويذكر ابن إياس أنه لم يحدث عبر التاريخ مثل جريمة السلطان سليم في مصر، ولا يوازي فعلته إلا ما فعله بختنصر، وما فعله هولاكو حين احتل بغداد.

نصوص مرعبة من البدائع

هذه بعض النصوص التي ذكرها ابن إياس في كتابه السالف، أولها يتحدث عن مُقام السلطان سليم في دمشق هو وعسكره: يقول ابن إياس "نقل ابن محاسن خبر السلطان سليم في دمشق، وهو في همّة زائدة، ويقول: ما أرجع حتى أملك مصر وأقتل جميع من فيها من المماليك الجراكسة. وأخبرَ أن ابن عثمان ينحجب عن عسكره أياما لا يظهر فيها، ففي هذه المدة يفتك عسكره في المدينة ويتجاهرون بأنواع المعاصي والفسوق، وأنهم لا يصومون في شهر رمضان، وأن ابن عثمان لا يصلي صلاة الجمعة إلا قليلا. وقد أشيع عن ابن عثمان هذه الأخبار الشنيعة من غير ابن محاسن، ممن يشاهد هذا من أفعال عسكره في حلب والشام".
أما بعد أن دخل السلطان سليم وجيشه الذين يسميهم ابن إياس بالعثمانية فترد نصوص عديدة في صفحات متفاوتة منها ما يلي "ثم دخل جماعة من العثمانية إلى الطواحين وأخذوا ما فيها من البغال والأكاديش، وأخذوا عدة جمال من جمال السقاين. وصارت العثمانية تنهب ما يلوح لهم من القماش وغير ذلك، وصاروا يخطفون جماعة من العبيد السود، واستمر النهب عمّالا في ذلك اليوم إلى بعد المغرب، ثم توجهوا إلى شون القمح التي في مصر وبولاق فنهبوا ما فيها من الغلال. وهذه الحادثة التي قد وقعت لم تمر لأحد من الناس على بال".
"وصار العثمانية يكبسون التُرب ويقبضون على المماليك الجراكسة منها، وكل تربة وجد فيها مملوك جركسي حزوا رأسه ورأس من في التربة من الحجازيين وغيرها ويعلقون رؤوسهم في الوطاق، فضرب في يوم واحد 320 رأسا من سكان الصحراء، وقيل كان فيهم جماعة من الينابعة وهم أشراف، فراحوا ظلما لا ذنب لهم. وصاروا يكبسون الحارات ويقبضون المماليك الجراكسة من إسطبلاتهم ويبقضونهم باليد ويتوجهون بهم إلى الوطاق في الريدانية فيضربون أعناقهم هناك، فلما كثرت رؤوس القتلى هناك نصبوا صواري وعليها حبال وعلقوا عليها رؤوس من قُتل من المماليك الجراكسة وغيرها، حتى قيل قُتل في هذه الوقعة في الريدانية فوق أربعة آلاف إنسان، ما بين مماليك جراكسة وغلمان، ومن عربان الشرقية والغربية، وصارت الجثث مرمية من سبيل علان إلى تربة الأشرف قايتباي، فجافت منهم الأرض وصارت لا تعرف جثة الأمير المقدم من جثة المملوك، وهم أبدان بلا رؤوس".
"وصار العثمانية يمسكون أولاد الناس من الطرقات ويقولون لهم: أنتم جراكسة، فيشهدون عندهم الناس أنهم ما هم مماليك جراكسة، فيقولون لهم: اشتروا أنفسكم منا من القتل، فيأخذون منهم بحسب ما يختارونه من المبالغ، وصارت أهل مصر تحت أسرهم".
"ثم إن العثمانية طفشت في العوام والغلمان من الزعر وغير ذلك، ولعبوا فيهم بالسيف، وراح الصالح بالطالح، وربما عوقب من لا جنى، فصارت جثثهم مرميّة على الطرقات من باب زويلة إلى الرملة ومن الرملة إلى الصليبة إلى قناطر السباع إلى الناصرية إلى مصر العتيقة، فكان مقدار من قُتل في هذه الوقعة من بولاق إلى الجزيرة الوسطى إلى الناصرية إلى الصليبة فوق عشرة آلاف إنسان في مدة هذه الأيام الأربعة، ولولا لطف الله تعالى لكان لعب السيف في أهل مصر قاطبة ... ثم إن العثمانية صارت تكبس على المماليك الجراكسة في البيوت والحارات، فمن وجدوه منهم ضربوا عنقه. ثم صارت العثمانية تهجم الجوامع وتأخذ منها المماليك الجراكسة، فهجموا على جامع الأزهر، وجامع الحاكم، وجامع ابن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات، ويقتلون من فيها من المماليك الجراكسة، فقيل قبضوا على نحو 800 مملوك ما بين أمراء عشرات وخاصكية ومماليك سلطانية، فضربوا أرقابهم أجمعين بين يدي ابن عثمان. وقيل إن المشاعلي الذي كان هناك كان إفرنجيا، وقيل كان يهوديا من الأروام، فكان إذا ضرب عنق أحد من المماليك الجراكسة يعزل رؤوسهم وحدها، ورؤوس الغلمان والعربان وحدها، ثم ينصب الحبال على الصواري ويعلّق عليها تلك الرؤوس في الوطاق الذي في الجزيرة الوسطى. وكان المشاعلي إذا حزّ رأس المماليك يرمي جثتهم في البحر".
"فلما انتصر ابن عثمان على عسكر مصر قطع رؤوس المماليك من الجراكسة، وقطع رؤوس جماعة كثيرة من العربان الذين كانوا مع السلطان طومان باي، فلما تكامل قطع الرؤوس رسم ابن عثمان بإحضار مراكب، فلما حضرت وضعوا فيها الرؤوس الذي قتلوا، فلما عدوا إلى بر بولاق صنعوا مداري خشب وعلقوا عليها تلك الرؤوس وحملتها النواتية على أكتافها ولاقتهم الطبول والزمور، ونادوا في القاهرة بالزينة فزينت زينة حافلة، وشقوا بتلك الرؤوس من باب البحر إلى باب القنطرة، وطلعوا بهم من على سوق مرجوش وشقوا بهم من القاهرة، وكان لهم يوم مشهود. وقيل كانت عدة الرؤوس الذي قتلوا في هذه الوقعة ودخلوا القاهرة نحو 800 رأس ما بين أتراك وعربان وغير ذلك، والذين قتلوا هناك وألقوهم في البحر أكثر من ذلك".
"ولكن ابن عثمان انتهك حُرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتّم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها وأظهر أهوالها. فلم يدخل إليها أحدٌ من الخوارج ولا قط ملكها ولا جرى عليها ما جرى إلا أن كان في زمن البخت نصر المايلي، فقد جرى عليها من ابن عثمان بعض ما جرى عليها من البُخت نصر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأشيع أن ابن عثمان خرج من مصر وصحبته ألف جمل محملة ما بين ذهب وفضة، هذا خارجا عما غنمه من التحف والسلاح والصيني والنحاس المكفت والخيول والبغال والجمال وغير ذلك، حتى نقل منها الرخام الفاخر، وأخذ منها من كل شيء أحسنه، ما لا فرح به آباؤه ولا أجداده من قبله أبدا. وكذلك ما غنمه وزراؤه من الأموال الجزيلة وكذلك عسكره، فإنه غنم من النهب ما لا يحصى، وصار أقل من فيهم أعظم من أمير مائة مقدم ألف، مما غنمه من مال وسلاح وخيول غير ذلك، فما رحلوا عن الديار المصرية إلا والناس في غاية البلية. وفي مدة إقامة ابن عثمان في القاهرة حصل لأهلها الضرر الشامل، وبطل منها نحو 50 صنعة، وتعطلت منها أصحابها، ولم تعمل في أيامه في مصر... وفي مدة إقامة ابن عثمان في مصر لم يجلس في قلعة الجبل على سرير الملك جلوسًا عاما، ولا رآه أحد، ولا أنصف مظلوما من ظالم في محاكمته، بل كان مشغولا بلذته، وجعل الحكم لوزرائه بما يختارونه. فكان ابن عثمان لا يظهر إلا عند سفك دماء المماليك الجراكسة، وما كان له أمان إذا أعطاه لأحد من الناس، وليس له قول ولا فعل، كلامه ناقض ومنقوض لا يثبت على قول واحد كعادة الملوك في أفعالهم، وليس له سماط يُعرف ولا نظام كعادة السلاطين في سماطهم الذي كانت تجلس عليه الخاصكية كل يوم. وأما عسكره فكانوا جيعانين العين نفسهم قذرة، يأكلون الأكل وهم راكبون خيولهم في الأسواق، وعندهم عفاشة في أنفسهم زائدة وقلة دين، ولما جاء عليهم شهر رمضان فكان غالبهم لا يصوم ولا يصلي في الجوامع ولا صلاة الجمعة إلا قليل منهم، ولم يكن عندهم أدب ولا حشمة، وليس لهم نظام يعرف لا هم ولا أمراؤهم ولا وزراؤهم ، وهم همج كالبهائم".
"وكانت سنة صعبة شديدة على الناس، كثيرة الحوادث والفتن، جرت فيها أمور شنيعة لم تجر في سالف الأزمان، وقُتل فيها جماعة من الأمراء والعسكر والمماليك السلطانية في فتنة ابن عثمان، وقُتل فيها من أهل مصر ممن ليس له ذنب، فراح ظلما، فقُتل من الناس ما لا يُحصى عددهم، ولعب السيف في أهل مصر سبعة أيام. وقُتل فيها ثلاثة سلاطين وهم: الأشرف الغوري والأشرف طومان باي والظاهر قانصوه، قُتل في البرج في ثغر الإسكندرية. وتغيّر فيها ثلاث دول، وخرب فيها دور كثيرة، ونُهب فيها أموال وقماش ما لا يحصى قدره، وتيتم فيها أطفال، وترمّل فيها نسوان، وجرت فيها مفاسد كثيرة ما لا يُسمع بمثلها. ولم يقاسِ أهل مصر شدة أعظم من هذه إلا في زمن البخت نصر المايلي، فإنه أخرب مصر وأحرقها حتى أقامت 40 سنة خرابا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق