أسعار النفط تغيّر مسارها

|
شهدت الأسعار في أسواق النفط العالمية تراجعات متتالية خلال الأسابيع القليلة الماضية. وكانت أسعار الإغلاق المستقبلية لخام برنت قد بلغت ذروتها خلال السنوات الأربع الماضية في 13 أكتوبر 2018، عندما وصلت إلى 85.83 دولار للبرميل. بعد ذلك بدأت أسعار النفط المستقبلية التراجعات اليومية باستثناء تحقيق بعض المكاسب المؤقتة أحيانا. وكان اتجاه الأسعار العام تنازليا خلال الفترة التي تلت بلوغ الذروة الشهر الماضي. شهدت أسعار النفط أكبر انخفاض يوم الثلاثاء 13 نوفمبر الحالي، حيث تراجع سعر مزيج برنت بأكثر من 4.5 دولار للبرميل. وعند نهاية ذلك اليوم، هبط سعر إغلاق برميل خام برنت تسليم شهر يناير 2019 إلى 65.47 دولار. وبذلك هوى سعر النفط خلال شهر واحد بنحو 20.36 دولار للبرميل، ممثلا خسارة نسبتها 23.7 في المائة. كانت الأسواق قبل شهرين من الزمن تتوقع تراجع إمدادات النفط بسبب العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيرانية، التي كانت التقديرات السابقة تشير إلى إمكانية محوها ما بين مليون ومليوني برميل يوميا من الأسواق العالمية. وقد أثارت تلك التوقعات مخاوف معظم متعاملي الأسواق النفطية من إمكانية حدوث عجز في الإمدادات. بدأ الحديث في تلك الفترة عن احتمال معاودة أسعار النفط الصعود إلى مستويات تفوق 100 دولار للبرميل. ولكن الأسبوعين الماضيين شهدا تبدلا في مزاج الأسواق النفطية، حيث أدركت الأسواق وجود تخمة في الإمدادات النفطية لعدة أسباب تتعلق بالكميات المعروضة ونمو الطلب العام المقبل وتأثير العقوبات النفطية الأمريكية في إيران. وكان عديد من منتجي النفط داخل منظمة أوبك وخارجها قد رفعوا إنتاجهم تحسبا للعقوبات، ما وفر كميات إضافية في الأسواق تعوض النقص المتوقع من صادرات النفط الإيرانية. في المقابل، تسبب السماح لثماني دول رئيسة بالاستمرار في استيراد النفط الإيراني دون الخوف من تعرضها للعقوبات الأمريكية بخفض تأثير العقوبات في أسواق النفط إلى مستوى متدن لا يبرر الزيادات الكبيرة التي ضخها المنتجون الآخرون. تعكس بيانات المخزونات النفطية التوازن بين العرض والطلب، حيث تشير زيادة المخزونات إلى تفوق مستويات العرض على كميات الاستهلاك. ونظرا لعدم توافر بيانات حديثة عن تطور المخزونات خارج السوق الأمريكية، تنظر الأسواق العالمية إلى تطورات المخزونات الأمريكية بحساسية عالية. ويشير أحدث بيانات المخزونات التجارية الأمريكية من النفط الخام إلى حدوث زيادة معتبرة خلال الشهرين الماضيين، حيث ارتفعت المخزونات التجارية الأمريكية من نحو 396 مليون برميل في بداية شهر سبتمبر 2018 إلى 431 مليون برميل في بداية شهر نوفمبر الحالي. وهذه الزيادة الكبيرة قد تكون السبب الرئيس في تراجع أسعار النفط الكبير أخيرا، حيث تصحح الأسواق أخطاء التقديرات بسرعة بسبب خوف المستثمرين من الخسائر. على الرغم من حجم واردات النفط الأمريكية الضخم، إلا أنها تصدر كميات كبيرة من النفط الخام ومنتجاته، حيث تعد أكبر مصدر للمنتجات النفطية في العالم. وقد هبط صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ومنتجاته إلى أقل من مليوني برميل في اليوم خلال الأسابيع الأربعة الماضية، ما يشير إلى قرب تحقيقها اكتفاء ذاتيا في إنتاج النفط بعد تحقيقها اكتفاء ذاتيا في إنتاج الطاقة. وتصدر الولايات المتحدة كميات كبيرة من الفحم الحجري كما بدأت بتحقيق فائض في صافي صادرات الغاز الطبيعي. يبدو أن هناك علاقة سلبية بين معدلات صرف الدولار الأمريكي والعملات العالمية. وقد تحسنت معدلات صرف الدولار مقابل عديد من العملات خلال الفترة القريبة الماضية، ما ضاعف تأثير زيادة أسعار النفط خلال الأشهر الأخيرة وتسبب في خفض توقعات نمو الطلب العالمي على النفط. وتعاني عديد من الدول الصاعدة تراجع أسعار عملاتها، كما يواجه عديد من هذه الدول مصاعب الحصول على الائتمان بسبب زيادة معدلات الفائدة العالمية. ونتيجة لذلك، تتعرض هذه الدول لضغوط على معدلات نموها الاقتصادي، ما خفض توقعات نمو طلبها على النفط ومنتجاته. كما تسببت الحروب التجارية - التي تلوح بها الإدارة الأمريكية – في حفض توقعات معدلات نمو الاقتصادات الرئيسة، خصوصا الصين، التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم. وهناك بوادر على تراجع معدلات نمو الاقتصاد الصيني وكذلك الحال بالنسبة للهند، لكن بدرجة أقل من الصين. وعموما، من المتوقع أن يتراجع معدل نمو الطلب العالمي على النفط بسبب التراجع المتوقع في معدل النمو الاقتصادي العالمي. إن تراجع أسعار النفط بسرعة يشير إلى تصحيح الأسواق لتقديرات إمدادات العرض وحجم الطلب في المستقبل القريب. ولقد عملت منظمة الدول المصدرة للنفط خلال عدة سنوات على تحقيق توازن بين العرض والطلب ونجحت قبل تراجع الأسعار الأخير في تحقيق هذا التوازن. ولإعادة التوازن إلى الأسواق النفطية مرة أخرى والحفاظ على أسعار نفط مرضية للمنتجين والمستهلكين - في حدود 80 دولارا للبرميل- تحتاج المنظمة حاليا بالتعاون مع الدول الرئيسة المنتجة إلى خفض إمدادات النفط مجددا لمستويات تراوح ما بين 500 ألف ومليون برميل يوميا.
إنشرها