استمع إلى صمتهم

|
تعرفت على موظف مميز يعمل في مؤسسة كبيرة في إحدى المناسبات. أبهرني وعيه وطموحه ومهاراته. كان طوال العشاء الذي جمعنا خلال مناسبة عمل يتلقى تعليمات من رئيسه عن طريق هاتفه ويرد عليه بثقة وكفاءة وسرعة. برد عشاؤه وهو يقوم بالكتابة والتحليل والتفاعل مع الاتصالات والرسائل. هنأته على موهبته وقدراته وتواصله الذكي. ولَم أخف توقعي بترقيته وصعوده في وظيفته إثر حضوره وفاعليته وحيويته وتضحياته التي لمستها خلال فترة قصيرة. لكنه فاجأني أنه سيغادر وظيفته لأن رئيسه لم يقدر إخلاصه وتفانيه خلال ثلاث سنوات رغم كل جهوده وإنجازاته الوظيفية التي جعلت رئيسه يعتمد عليه في كل شيء. يخبرني سعد أنه لم يكن يود أن يرحل لكنه لم يستطع تحمل مشقة مشاهدة زملائه الأقل منه عملا وجهدا يترقون ويرتفعون وهو يراوح محله. ويعزو ذلك إلى صمته لأنه لم يطالب بترقية خلاف بعض زملائه الذين انتزعوا الترقية والتقدير بسبب مطالبهم وصراخهم وإلحاحهم. أحزن جدا بسبب أسلوب بعض القياديين الذين لا يكافئون زملاءهم المميزين الصامتين، غير مدركين أن هؤلاء الصامتين هم وقود أغلب المنظومات. ويجب ألا نعاقبهم إزاء صمتهم، بل نكافئهم ونقدرهم. فهؤلاء سيتحملون قليلا لكن ربما ينفجرون ويغادرون وحينها لن يكون لمكافآتنا وترقياتنا المؤجلة قيمة. ينبغي أن نراعي مشاعر هؤلاء الذين يفعلون أكثر مما يقولون لأن لا وقت لديهم للشكوى والنحيب. أغلبنا يقع في مشكلة هي الاهتمام والاكتراث بمن يتحدث. ننسى ونتناسى من ينحاز إلى الصمت والسكون. نعتقد أن أولئك البشر لا يحتاجون إلى تقديرنا ودعمنا. بينما الحقيقة هي عكس ذلك. هم أحوج من يكون للتشجيع والمؤازرة والامتنان. لن يمنحك هؤلاء الصامتون مهلة كبيرة. قد تلتفت ولن تجدهم إذا لم تعتن بهم وتثمن ما يقومون به. مع الأسف هؤلاء لا يمنحونك مؤشرات ومقدمات قبل رحيلهم. يغادرون فجأة وحينها ستتألم كثيرا كثيرا لأنك لم تستمع جيدا إلى صمتهم. أحيانا تحتاج إلى الإصغاء إلى الصمت أكثر من الحديث.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها