أخبار اقتصادية- محلية

الشهادات الوهمية .. التزوير يمتد للتخصصات الصحية

رغم الجهود التي بذلت للقضاء على ظاهرة الشهادات الوهمية والمزورة في سوق العمل السعودية بتأسيس عديد من الهيئات التي أسهمت في خفض نسب الشهادات الوهمية والمزورة في القطاعات مثل "الهيئة السعودية للمهندسين، الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين، الهيئة السعودية للمقاولين، الهيئة السعودية للتخصصات الصحية" وغيرها، إلا أن هذه الظاهرة لا تزال حاضرة وتؤرقها كحال الكثير من البلدان العربية. ووفقا لمختصين، فإن أضرار الشهادة الوهمية أو المزورة في المملكة والعالم العربي لا تقتصر على ارتفاع نسب البطالة وحرمان الآخرين من فرص العمل بل تتعداها إلى أضرار اقتصادية واجتماعية. ويلجأ المدلسون إلى الاحتيال والادعاء بحيازة ما لا يملكون أصلا، إما عن طريق التزوير من خلال تغيير مستند رسمي، مثل تغيير الاسم في الشهادة، في حين تتمثل الشهادات الوهمية في شهادات أكاديمية صادرة من جامعات غير معترف بها تنتشر في دول عربية وآسيوية. ورغم المشكلة وتداعياتها، إلا أن المسؤولية تتقاذفها الجهات الحكومية، إذ تؤكد وزارة التعليم أنها مسؤولية الخدمة المدنية، بينما تنفي الأخيرة هذه المسؤولية، مؤكدة أنها ليست الجهة المختصة.
وفيما يلي التحقيق:

"الخطر الحقيقي من حاملي الشهادات الوهمية يتمثل في استفادتهم من الحصول على وظائف حكومية وخاصة ليست من حقهم وحرمان من يستحق"، هكذا بدأ مبارك العصيمي المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم حديثه مع "الاقتصادية"، مبينا أن أية شهادات صادرة من جامعات غير سعودية يقتضي بالضرورة معادلة تلك الشهادات من قبل لجنة المعادلة. وأشار إلى أن الجهة المعنية عن التوظيف في القطاع الحكومي هي وزارة الخدمة المدنية، مضيفا: "قبل استفادة أي شخص وظيفيا من شهادته تتطلب معادلة الشهادة، إلا أن المشكلة تظل في عدم التزام عديد من القطاعات الخاصة من شركات ومؤسسات بطلب المعادلة قبل التوظيف، ما قد يتسبب في دخول بعض حاملي الشهادات الوهمية إلى وظائف القطاع الخاص".
وأوضح العصيمي أن معادلة الشهادات تتضمن التأكد من صحة الشهادة، والتثبت من أن الشهادة صادرة عن جامعة موصى بها لدى وزارة التعليم وبالتالي فإنه من المستحيل أن يتم معادلة أية شهادات وهمية.

تدقيق الشهادات

في حين أكد لـ"الاقتصادية" سلطان الظاهر المتحدث الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، أن الوزارة ليست جهة مختصة بتدقيق الشهادات، خاصة أنها تشترط حين التوظيف أن تكون الشهادة معادلة من وزارة التعليم أو أن تكون الشهادة صادرة من جامعة سعودية.
وأفاد بأن الوزارة تعمل على الحد من ذلك عبر الربط الإلكتروني بينها وبين الجهات الحكومية، والجامعات، وكذلك الملحقيات الثقافية في الخارج.
وعن الإجراء المتخذ في حال حدوث ذلك، قال: "إذا كان موظفا على رأس العمل فيتم إحالة الموضوع للنيابة العامة بحكم الاختصاص، أما إن كان من طالبي العمل فيتم حظر سجله المدني من التقديم على الوظائف عبر منصة جدارة".

5 – 10 آلاف ريال سعر الشهادة

وأوضح لـ"الاقتصادية"، عبد الرحمن القحطاني مدير سابق للموارد البشرية في إحدى الشركات، أنه من الممكن عمل الشهادات الوهمية دون الحاجة إلى شرائها، وهذا عن طريق الدخول لموقع الجامعة على الإنترنت وعمل التصميم نفسه وطباعتها، إذ إنها في نهاية الأمر جامعة ليس لها وجود إلا على الإنترنت. وبين القحطاني أنه منذ عام 2004 والشهادات الوهمية موجودة في الشوارع السعودية، وتراوح أسعارها من خمسة إلى عشرة آلاف، بحسب الشهادة والدولة، لافتا إلى أن الشهادات الوهمية بدأت تصل إلى القطاع الحكومي والتخصصات الطبية مثل الصيدلة وغيرها.
وذكر أن لجنة التحقق من الشهادات تركز جهودها على السعوديين أكثر من الأجانب، حيث إن نسبة التدقيق أقل بكثير، مضيفا: "إذا نظرنا إلى هيئة التخصصات الصحية مثلا فإن اعتماد الموظف يكون عن طريق اختبارات ورقية، ومن المؤسف أن المختبرين من الممارسين الصحيين يحملون هذه القوائم من الأسئلة فلا نستغرب من اجتيازهم للاختبار بسهولة، إذ إن الأجوبة والأسئلة يتم تسريبها قبل الاختبار بعدة أيام". وطالب القحطاني بإنهاء التكتل الوظيفي للأجانب بفرض نسبة محددة للجنسيات للحد من استقدام عدد كبير من جنسية معينة، بالتالي يضطر صاحب المؤسسة توظيف السعوديين أو جنسيات أخرى على الأقل.

2438 شهادة
وهمية ومزورة

وقالت لـ"الاقتصادية" الهيئة السعودية للمهندسين، إن عدد الشهادات "الوهمية" التي تم رصدها خلال النصف الأول من العام الجاري أربع شهادات من جامعات وهمية أو غير معترف، في حين بلغ عدد الشهادات المزورة 51 شهادة.
وأكدت الهيئة أن إجمالي الشهادات الوهمية في السنوات الماضية بلغت 376 شهادة، في حين المزورة وصلت إلى 2062 شهادة، مقارنة بـ 290 ألف شهادة تم تدقيقها، حيث شكلت نسبة الشهادات الوهمية والمزورة 0.8 في المائة.

شركات تسوق للتزوير

الظاهرة التي باتت منتشرة في بلدان عربية وآسيوية، بل في العالم تحولت إلى تجارة قائمة عليها شركات عابرة للحدود تستخدم التقنيات الحديثة في سبل الدفع للترويج لتلك الشهادات.
وفي وقت تعاني كثير من الدول العربية من ظاهرة الشهادات الوهمية والمزورة، لفت الدكتور عبد الوهاب القحطاني محلل اقتصادي وعضو هيئة التدريس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إلى أن بعض الشركات تسوق إعلانات على الإنترنت للترويج عن أفضل الأماكن التي يتم الحصول منها على شهادات مزورة من جامعات معتمدة مقابل مبالغ مالية لخدمتها. وأفاد بأن الأمر وصل إلى وضع إعلان صريح على الإنترنت بعنوان "احصل على شهادة مزورة من جامعة معتمدة ومعتبرة من غير الحضور أو التسجيل في الجامعة"، مبينا أنها شهادات مزورة تصمم بطرق احترافية في مكاتب وهمية من غير علم تلك الجامعات بذلك أو مرورها بها، خصوصا أن بعض الدول تنتشر فيها شركات متخصصة في التزوير. وأوضح القحطاني أن هناك جامعات وهمية قامت على هذا الأساس للحصول على الأموال من خلال إصدار شهادات وهمية، وكما يقال إن لكل ساقطة لاقطة، حيث وجدت هذه الجامعات الوهمية رواجا بين الباحثين عن الشهادات المزورة من غير جهد وعناء، خاصة إذا كانت تخفى على الجهات الرسمية المعنية بالتعليم في الدول التي ليس لديها رقابة وتدقيق على مثل هذه الشهادات.
وعن سلبيات الشهادات الوهمية على الاقتصاد الوطني، قال: "للشهادات الوهمية آثار سلبية على الاقتصاد في القطاعين الحكومي والخاص، حيث إن الموظف الذي حصل على شهادة وهمية أو مزورة بلا شك يبحث عن حق ليس له وإذا حصل عليه فإن آثاره السلبية كبيرة من حيث الأداء والأمانة وجودة العمل والعدالة في العمل واختياره للموظفين الذين تحت إشرافه، وبالطبع لأن قراراته ستكون على مستوى شهادته الوهمية أو المزورة سواء كان موظف حكومة أو شركة في القطاع الخاص، فإن العمل سيكشفه، خاصة إذا كان القرار يتطلب معرفة بأمور إدارية ومالية ومحاسبية وتقنية".
وأضاف القحطاني: "مما لا شك فيه أن الموظف الذي حصل على شهادة مزورة أو وهمية سواء من جامعة حقيقية معروفة أو وهمية يعكس أخلاقياته في عمله، وأقصد بذلك أن أخلاقياته ستكون متدنية ما يؤثر في علاقته بأصحاب العلاقة بشركته ووظيفته، وهذا يعني أنه إنسان فاسد بكل ما تعنيه الكلمة وغير مؤهل علميا وأخلاقيا لأي وظيفة قيادية، وأن تولي موظف حاصل على شهادة مزورة أي منصب قيادي سيكون كارثيا، خاصة في أخلاقيات المهنة واتخاذ القرار واستخدام السلطة وخدمة مصلحته الخاصة على حساب مصلحة الجهة التي يعمل بها أو مصلحة الوطن". وأشار إلى أن سمعة الجهة الحكومية أو الشركة التي يعمل فيها موظف بشهادة مزورة أو وهمية ستكون تحت المحك ما يؤثر عليها في نواح كثيرة منها تدني الإنتاجية والأداء العام والقضايا القانونية الناجمة عن الفساد المالي والإداري، حيث سيتأثر الاقتصاد سلبا بالموظفين الحاصلين على مثل هذه الشهادات، إذ يحصلون على مكافآت مالية بموجب الشهادات التي حصلوا عليها بالتزوير والتدليس. وأفاد بأن أداء الموظف صاحب الشهادة الوهمية أو المزورة لن يكن كما هو متوقع لأنه يفتقر إلى المهارات والمعرفة التي تكتسب بالتعليم.
بدوره، ذكر الدكتور علي المالكي مستشار قانوني، أن من إشكال الجرائم المعاصرة ما يمسى بالشهادات الوهمية أو المزورة وهي تكون عن طريق الحصول على شهادة ما بكالوريوس أو ماجستير أو نحو ذلك كذبا أو زورا ويمكن توصيف الجرم لهذه الجريمة بالتغرير والغش والخديعة والتزوير المعنوي وانتحال الشخصية وكذلك النصب، وتكون الأحكام إذا كان تزويرا بأن من حق المتضرر مقاضاة المنتحل والمطالبة بالتعويض جراء ما لحق به من ضرر. وأشار إلى أن غالب الأحكام على مثل هذه الجريمة تراوح بين السجن والغرامة، مطالبا بالتشهير بهم في الصحف ومواقع التواصل.

«المحاسبين» تبرم اتفاقية للتدقيق

وأبرمت الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين اتفاقية مع إحدى الشركات الوطنية، المتخصصة في التدقيق على الوثائق والشهادات العلمية والمهنية بهدف التحقق من صحة أي وثيقة تقدم للهيئة، وذلك سعيا للحد من استخدام الشهادات المزورة ولضمان مصداقية الوثائق والمعلومات الواردة لها، والتحقق من الشهادات المقدمة عند طلب العضوية أو دخول زمالة الهيئة.
وبدأ العمل بتطبيق الاتفاقية من 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، الأمر الذي سيتطلب من المتقدمين إرفاق جميع الشهادات والوثائق على موقع الخدمات الإلكترونية الخاص بالهيئة مع تقديم طلب التقدم ودفع الرسوم عند التسجيل لأول مرة فقط، وسيتم اتخاذ ما يلزم من إجراءات لمن يثبت تقديمه شهادة غير صحيحة.
وأوضح الدكتور أحمد المغامس، الأمين العام للهيئة، أن الهيئة رصدت 56 شهادة محاسبية مزورة وذلك من أصل 9044 شهادة تم تقديمها من بداية تطبيق عملية التدقيق على الوثائق والشهادات العلمية والعملية وحتى نهاية شهر حزيران (يونيو) الماضي، مفيدا بأن الحالات الـ 56 جميعهم لوافدين تقدموا للحصول على عضوية الهيئة وتمت إحالتهم إلى الجهات المختصة لتقديمهم للقضاء. وبين أن الهيئة تطبق نظام التحقق من الشهادات العلمية والمهنية للمتقدمين لعضوية الهيئة ولاختبار الزمالة، للقضاء على استخدام الشهادات المزورة، مؤكدا أن التسجيل في العضوية يعطي اعترافا من جهة مهنية بصحة تأهيل حامل العضوية إضافة إلى المزايا التي تقدم للأعضاء من خصومات على الدورات والحقائب التدريبية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية