الحاسوب يؤدي إلى ثورة تعليمية في السويد

|
وأخيرا أدخلت السويد الحاسوب في العملية التعليمية والتربوية في المرحلة الابتدائية وللأعمار من 5 إلى 10 سنوات. ومع إدخال الحاسوب في المرحلة الابتدائية يحق الآن لكل تلميذ وطالب في السويد في المراحل التعليمية ما قبل الجامعة الحصول على حاسوب حديث ومجانا من الدولة. والتعليم إلزامي ومجاني في السويد. ومبدأ المساواة مطبق تقريبا بحذافيره وذلك لغياب التعليم الخاص والمدارس الخاصة، التي إن وجدت يكون نطاقها محدودا جدا ولأغراض خاصة فحسب. قد نحتاج إلى سلسلة من المقالات عن التعليم في السويد، والأهمية القصوى التي تمنحها الدولة لمراحله المختلفة عسى ولعل أن تستقي الدول العربية والخليجية منها على وجه الخصوص ما تراه مفيدا ومناسبا. بيد أنني سأقتصر هنا على دور الحاسوب في العملية التعليمة، وكيف أن السويد وظفت الجهاز السحري هذا لتطوير مهارات الكتابة لدى الطلبة وباللغة الوطنية - السويدية. يأتي تركيزي على مهارات الكتابة باللغة الأم في السويد بعد وجودي لفترات محددة في جامعات عربية لغرض التدريس والبحث، حيث ظهر جليا لدي أن الطلبة العرب بصورة عامة يفتقرون إلى أبسط المهارات اللغوية لمساعدتهم على الكتابة باللغة العربية بصورة سليمة. إتقان اللغة الوطنية وامتلاك ناصيتها كتابة واحد من الشروط للالتحاق بالجامعة في السويد، وفي كل الاختصاصات من الطبية والهندسية حتى الآداب والعلوم الاجتماعية. ولا يستند التعليم في السويد على تنشئة النخبة من التلاميذ المبدعين ومنحهم تعليما خاصا وامتيازات خاصة لكونهم أذكى أو أغنى من أقرانهم. ترتكز فلسفة التعليم في السويد على مبدأ المساواة التي تعمل الدولة جاهدة في تحقيقه على جميع المستويات. ولهذا ترى السويد أنه لا طائل من فتح مدارس خاصة للأذكياء من الطلبة، كما هو الحال في بعض الدول الغربية والصين ودول جنوب شرق آسيا. وهكذا يبقى الأذكياء مهما كانت درجة ذكائهم في المدارس الحكومية مع أقرانهم، حيث تشير أبحاث التربية السويدية إلى أن وجودهم يعد حافزا للآخرين للالتحاق بهم. ويعمل القائمون على التربية والتعليم في السويد ليس على نقل التجارب الأجنبية إلى بلدهم بل العمل على توطينها ضمن البيئة التربوية والتعليمية الخاصة بالسويد. ولهذا يعملون جاهدين على القيام بمبادرات جديدة وخلاقة كي يسبقوا الآخرين، لأن التقليد الأعمى محبط للإبداع. واحد من الشعارات المهمة في السويد في مضمار التربية والتعليم وأغلب مناحي الحياة الأخرى يدعو المسؤولين إلى طرح مبادرات لم يسبق للآخرين التفكير فيها ومن ثم تبنيها ممارسة وتطبيقا. والشعار يكمن في أن السويد، كي تحافظ على ما لها من مكانة في العالم، يجب أن تتقدم العالم في المبادرات وتبنيها وتطبيقها بعشر سنوات في أقل تقدير. وآخر مبادرة أطلقتها من خلال الحواسيب المدرسية كانت "اكتب كي تتعلم". وبموجب هذه المبادرة، التي لا تزال عصب التدريس في المستويات ما قبل الجامعية، يكتب الطلبة مقالات في حواسيبهم ومن ثم يرسلونها إلى زملائهم لإبداء الرأي وتشخيص الأخطاء وتقديم النصح لتحسين الأسلوب. ويكون دور المعلم أو الأستاذ الإرشاد وملاحظة التعليقات التي يضعها الطلبة عند قراءة كتابات بعضهم بعضا، وتقديم النصح حول اللغة والأسلوب ومن ثم طرائق النقد البناء للآراء المثارة. وهناك تطبيق معد سلفا ضمن الحاسوب لمساعدة الطلبة على تنفيذ واجبات الكتابة باللغة الأم، ويساعدهم التطبيق على إنشاء مواقع خاصة لما يقومون بكتابته ضمن الشبكة العنكبوتية. وأظهرت الدراسات والاختبارات تحسنا ملحوظا في ممارسة اللغة الوطنية كتابة ونطقا لدى الطلبة في السويد، بعد تطبيق البرامج الخاصة بتحسين المهارات الكتابية. وقد أجرى الباحثون دراسات أظهرت أن ملكة الطلبة بقدر تعلق الأمر بعدد المفردات التي يحفظونها وعدد المفردات التي في إمكانهم استخدامها طرأ عليه تحسن ملحوظ. وهناك بطبيعة الحال بعض السلبيات، كما هو الواقع مع كل تجربة جديدة، في إدخال الحاسوب وجعله أداة تعليمية رئيسة في جميع المراحل الدراسية في السويد. وقد جرى التحول إلى الحاسوب بخطوات مدروسة، كي لا تصبح المسألة ظاهرة يقلدها الكل دون أن تكون فوائدها أكثر بكثير من سلبياتها. ولهذا هناك دورات تدريبية مستمرة للمعلمين والمدرسين حول الأساليب المثلى لتوظيف التكنولوجيا في عالم التدريس والتعليم. وتكون السويد بهذا قد حققت ريادة أخرى في مسار التعليم، المسار الذي تمنحه الدولة أولوية تفوق أي مسار آخر في حياة المجتمع. وهذا الاهتمام جعل السويد في مقدمة دول العالم في عدد الجامعات والكليات التي تعنى بشؤون تكنولوجيات المعلومات، وكذلك في عدد الشركات الرقمية الناشئة التي تصل قيمتها السوقية إلى مليار دولار أو أكثر.
إنشرها