مقترحات لمعالجة ترهل المنظمات

|

تكلمت في عدة مقالات سابقة عن "الترهل الإداري" وكيف يعمل، وكيف يتم الخلط بينه وبين بعض المصطلحات الإدارية الأخرى، كالبيروقراطية التي تعد أحد أعراض الترهل ونتيجة طبيعية من نتائجه. وفي هذا المقال، أريد أن أقدم بعض المقترحات، التي قد تفيد بعض المنظمات التي أصيبت بالترهل في إعادة الحركة إلى جسدها عن طريق تشذيب فروعها وتقليم أوراقها. ولكن قبل أن نذهب إلى ذلك، يتعين أن أعيد بعض الأفكار التي سبق أن عرضتها من قبل حتى نربط الموضوع بعضه ببعض، ما يسهل علينا فهمه.
الترهل عاهة تصيب المنظمات؛ نتيجة ضخامة حجمها الذي يؤدي إلى تفشي عدة أوبئة إدارية وتنظيمية، منها انتشار الفساد بكل أنواعه، وبطء الإجراءات، وصعوبة تدفق البيانات من أعلى الهرم التنظيمي إلى قاعدته، وبالعكس، نتيجة طول خطوط الاتصال، وصعوبة تبادل المعلومات بين الإدارات في المستوى الإداري الواحد، وكل هذا يجعل من المؤسسات بطيئة الحركة، ضئيلة الإنتاجية، بعيدة كل البعد عن أساسيات الجودة ومعايير الاعتماد.
بعض المنظمات تنشر إحصائيات بين الوقت والآخر، توضح فيها كيف كانت قبل عشر سنوات وكيف أصبحت الآن، باستخدام معيار ساذج يتمثل في القفزة الهائلة في الأقسام أو الإدارات أو الموظفين. وإنني أتساءل: كيف تتحرك منظمة تضم بين جنباتها أكثر من 50 قسما وما يقارب 30 ألف موظف وموظفة؟ ولا أدري ما الحكمة من نشر تلك الإحصائيات؟
ومن نتائج الترهل أيضا، انتشار البيروقراطية البغيضة، والعيش في نظام مغلق لا يؤثر ولا يتأثر بالمجتمع، فالمنظمات المترهلة تتحاشى فتح نافذة على المجتمع؛ لأنها تخشى كشف سوأتها، فتلجأ إلى الوحدة والانكفاء على نفسها. ومن مشاكل الترهل صعوبة الرقابة، فالقيادات في المنظمات المترهلة لا تستطيع أن تضبط سير الأعمال، وقد ترى الفساد يستشري في جسدها دون أن تستطيع تحريك ساكن، فتغض الطرف عن كثير من الانحرافات الإدارية والتجاوزات المالية، بخلاف المنظمات المشذبة والرشيقة التي تمتلك القدرة على كشف الانحراف منذ بدايته، بل قد تتنبأ به قبل حدوثه. ومن أبرز مشاكل الترهل محاربة التغيير، وتكون التكتلات غير الرسمية، التي يفضل تسميتها في أدبيات إدارة الأعمال "التنظيمات غير الرسمية"، وقد تفوق سطوتها التنظيمات الرسمية، فتؤثر في غالبية قرارات المجالس واللجان. وعندما تنتشر هذه الأمراض في المنظمات، ستتحول بعد وقت إلى أعراف وقيم تنظيمية، ومن ثم تكون أحد أبرز مكونات الثقافة التنظيمية، وعندها لن تستطيع القيادات تفكيكها؛ لأن المكونات الثقافية للمنظمات تشبه إلى حد كبير المكونات الثقافية للمجتمعات، فلا يمكن التخلص منها بسهولة؛ لأنها تكونت خلال فترة طويلة نسبيا وتحتاج إلى المدة نفسها لتفكيكها.
ولكن كيف نخلص المنظمات من هذا الداء ونعيد إليها الحركة والرشاقة؟ هناك عدة سياسات لتخليص المنظمات من الترهل، منها رقابة مسيرة المنظمة وتقييمها بين الوقت والآخر، وألا تترك تدير نفسها بنفسها، وإذا ثبتت إصابتها بالترهل، فيجب إعادة هيكلتها بعدة طرق، منها السعي إلى تقسيمها إلى منظمتين منفصلتين. فإضافة إلى أن هذا التقسيم يخلص المنظمة من الترهل، فهو في الوقت نفسه سيساعدها على أن تقدم خدماتها بشكل أفضل، ويشعل التنافس في الحقل نفسه. والأهم من ذلك أنه يخدم المنظمة الأم، فيجعلها خفيفة رشيقة، فقد تخلصت من جزء كبير من حملها، فيمكنها الانطلاق بسرعة ومعرفة ما يدور في داخلها. وأهم ميزة عند تقسيم المنظمات المترهلة، تحريك المياه الراكدة، وقتل التكتلات التي أفرزها الترهل، كالفئوية وغيرها.
كما ينبغي عند تعيين قادة للمنظمات الوليدة أن يكونوا من خارج المنظمة الأم؛ حتى لا ينقلوا العدوى إلى المنظمات الوليدة، فتصبح صورة طبق الأصل. وينبغي إعداد قائمة بالقيادات والموظفين، مع وضع تقدير للكفاءة من عدة مصادر، ومن ثم توزيعهم على المنظمات المنقسمة بصورة عادلة. فالعدالة تعتمد - هنا - على توزيع الكفاءات بين المنظمات الوليدة، وليس على كمية وأعداد الموظفين، وألا تعتمد على نقل موظف من المنظمة الأم إلى المنظمة الوليدة؛ بسبب قربه من عائلته أو قبيلته أو لمصلحة يقضيها، بل لكفاءته ولمنفعة المنظمة الجديدة.
كما يجب التخلص من خطط اللعب القديم بإيقاف أي توسع عشوائي للمنظمات الوليدة بعد التقسيم، وأن يكون هناك سقف أعلى لعدد الأقسام والإدارات والكليات، ونشر الوعي بين القيادات الأكاديمية بأن الجودة لا تعني زيادة أعداد الموظفين والأقسام وزخرفة المباني، بل الظفر بالمعايير الدولية والإقليمية وتطوير جودة المخرجات.
هذه بعض المقترحات لمعالجة الترهل في المنظمات، ولمن أراد مزيدا حول موضوع الترهل، يمكن العودة إلى مؤلفات جاك ولش المدير التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك على مدى 20 عاما.

إنشرها