FINANCIAL TIMES

هل تشبعت الأسواق من حملة ماجستير إدارة الأعمال؟

جوناثان مولز وأندرو جاك من نيويورك

في ذروتها، كان يلتحق بكلية تيبي لإدارة الأعمال في جامعة أيوا كل عام 240 طالبا في العشرينيات من العمر من الطلاب المتفوقين، ضمن برنامج الماجستير في إدارة الأعمال.
أما اليوم، فقد انخفض العدد في جامعة الأبحاث العامة الرائدة، التي تضم واحدة من أقدم كليات إدارة الأعمال في الولايات المتحدة وأعلاها مرتبة، إلى آخر دفعة من الطلاب والبالغ عددهم 35 طالبًا.
عندما يقدم طلاب هذه المجموعة أطروحاتهم النهائية في أيار (مايو) المقبل، سيتم إغلاق هذا المساق الذي يستمر عامين، بعد 57 عامًا من إطلاق البرنامج باعتباره التأهيل الرائد للماجستير في الأعمال.
إنها نهاية حقبة بالنسبة إلى سارة فيشر جارديال، عميدة كلية تيبي، التي كان لها دور لا تحسد عليه في الإعلان قبل 14 شهرًا عن إغلاق المساق.
هذه الخطوة المفاجئة - في ذلك الوقت، كان تصنيف تيبي عند المرتبة 84 في القائمة العالمية لأفضل برامج ماجستير إدارة الأعمال حسب صحيفة فاينانشيال تايمز - أثارت الغضب من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والخريجين.
الطلاب الذين أكملوا التأهيل كانوا أكثر الناس غضباً، لشعورهم بالسخط مما اعتبروه تخفيضا مفاجئا فيما كان بالنسبة إليهم استثمارا كبيرا، من حيث تكاليف الدراسة والوقت الذي قضوه خارج مكان العمل.
تقول جارديال عن المئات من طلاب كلية تيبي السابقين الذين لاذوا بموقعي تويتر وفيسبوك للتنفيس عن غضبهم: "انفجرت وسائل الإعلام الاجتماعية علينا. كان رد فعلهم عاطفيا على نحو لم نتمكن من إصلاحه".
يشير إغلاق مثل هذا المساق الذي يحظى بتقدير كبير إلى أن الذين يرتقون من خلال الصفوف الوظيفية فقدوا بعض الثقة بهذه الشهادة، الذين شعروا بالاستياء الشديد من الوقت ونفقات الدراسة اللازمة للحصول على درجة تصل رسومها الدراسية إلى أرقام من ست خانات، في معظم كليات الأعمال الأمريكية الكبرى. يختار كثيرون بدلاً من ذلك دورات دراسية أقصر تكلف مالًا أقل أو يقررون أصلا عدم الدراسة للحصول على شهادة ماجستير الأعمال.
قلة من الكليات هي التي بالغت في موقفها إلى ما ذهبت إليه تيبي، ولكن هناك توقعات بأن كليات أخرى ستغلق برامجها أيضا في السنوات المقبلة. وقد افتتحت بعض الجامعات الرائدة، مثل كينجز كوليدج لندن، كليات إدارة الأعمال دون خيار الماجستير في إدارة الأعمال، مدعية أن مستشاريها من الشركات لم يعودوا يرون حاجة إلى مثل هذه الشهادة.
مصير درجة الماجستير في إدارة الأعمال له أهمية تتجاوز أهميته التجارية لكلية إدارة الأعمال، وفقاً للسيدة جارديال، التي تقول إن درجة ماجستير إدارة الأعمال الأساسية لمدة عامين في كلية تيبي، كانت تخسر 1.5 مليون دولار سنوياً عندما تم اتخاذ قرار إغلاقها.
وتقول جارديال: "كان قراراً صعباً بالنسبة لي؛ لأن درجة الماجستير في إدارة الأعمال عزيزة للغاية على قلبي"، مشيرة إلى أن دورها الإداري الأول الجامعي كان الإشراف على دورة ماجستير إدارة الأعمال بدوام كامل في جامعة تينيسي. "هذا ليس سبباً وجيها بما فيه الكفاية لإبقائها مستمرة" حسب قولها.
يرجع تاريخ أول درجة ماجستير في إدارة الأعمال، تم تصميمها في كلية هارفارد للأعمال كدرجة إدارة عامة إلى عام 1908. وقد جمعت بين فصول دراسية في موضوعات "كميّة"، مثل التمويل والمحاسبة، مع دورات في المهارات الناعمة، بما في ذلك القيادة وريادة المشاريع والتواصل.
اعتمد المنهج الأول على مبادئ فريدريك وينسلو تايلور للإدارة العلمية وسرعان ما اكتسب الزخم، حيث ارتفع عدد الطلاب الذين يدرسون في جامعة هارفارد من 80 عام 1908 إلى 1070 بحلول عام 1930. وقد تم تبني هذا المنهج من قبل كليات إدارة أعمال ناشئة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ما جعل ماجستير إدارة الأعمال نقطة انطلاق لكثير من الباحثين عن الحلم الأمريكي.
على مدى السنوات الأربع الماضية، كان الاهتمام بدراسة الماجستير في إدارة الأعمال بدوام كامل يشهد الانخفاض في البلد الذي شهد ولادتها. الكليات عالية التصنيف في البلدان الأخرى أخذت تنتبه لذلك.
يقول أرنو دي ماير، العميد السابق في كلية إنسياد، وهي أعلى كلية من حيث الترتيب في أوروبا، ويرأس الآن جامعة سنغافورة للإدارة: "أعتقد أن ماجستير إدارة الأعمال قد بلغ ذروته. كانت هناك بضع سنوات جيدة جدا في الولايات المتحدة في الثمانينيات. ثم مع ظهور ماجستير إدارة الأعمال في أوروبا، كان هناك انفجار في جميع الأنواع والمستويات. الآن لدينا نوع من الترشيد".
هذا العام، 70 في المائة من الكليات الأمريكية التي لديها برنامج الماجستير في إدارة الأعمال بدوام كامل، أبلغت عن تراجع في طلبات الدراسة في برامجها لمدة عامين، وفقاً للأرقام التي جمعها مجلس قبول الإدارة العليا.
وقابل ذلك نمو بنسبة 8.9 في المائة في طلبات التقديم في كليات إدارة الأعمال في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وارتفاع بنسبة 7.7 في المائة في كندا وزيادة بنسبة 3.2 في المائة بين المؤسسات في أوروبا.
سانجيت تشوفلا، الرئيس وكبير التنفيذيين في شركة جي إم أيه سي GMAC، يعطي فكرة إيجابية حول الأرقام، بالقول إن الطلب الإجمالي على الدراسات العليا في الإدارة هو الآن "مستقر".
المقارنات المماثلة من قبل شركة جي إم أيه سي GMAC أظهرت انخفاضا بنسبة 0.02 في المائة على أساس سنوي، حيث أفاد 52 في المائة من البرامج عن تراجع أحجام الطلبات.
ألقى عمداء كليات إدارة الأعمال في الولايات المتحدة باللائمة في الانخفاضات السابقة في سوق إدارة الأعمال بشكل عام على "الهجرة باتجاه الجودة"، حيث يحرص الطلاب على الحصول على أفضل عائد على إجمالي تكاليف الدورات الدراسية، التي تصل إلى أكثر من 200 ألف دولار لبرنامج العامين. في كلية الدراسات العليا للإدارة في جامعة ستانفورد، على سبيل المثال - حصر الطلاب اهتمامهم في عدد قليل من الكليات ذات التصنيف العالي.
أرقام عام 2018 أظهرت أن الطلب على الماجستير في إدارة الأعمال انخفض أيضا في كليات الدرجة الأولى، مثل جامعة هارفارد، وكلية فوكوا لإدارة الأعمال في جامعة ديوك، وكلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
البعض ألقى باللائمة في تراجع الأعداد على رئاسة دونالد ترمب، والانطباع بأن الولايات المتحدة تغلق بابها أمام الطلاب الأجانب، الذين يشكلون نسبة كبيرة من كثير من أفواج إدارة الأعمال. المشكلة تسبق الإدارة الحالية في البيت الأبيض.
يقول بيل بولدينج، عميد فوكوا، حيث انخفضت طلبات الحصول على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال 6 في المائة هذا العام، إن من "المبالغ فيه" أن نعزو التراجع إلى ترمب. وفي حين أنه لا يستبعد تأثير خطاب الرئيس المناهض للمهاجرين، إلا أنه يعتقد أن العامل الأكبر هو التشديد على المدى الطويل في تأشيرات العمل للطلاب الأجانب، الذين يختار كثير منهم الآن التقدم إلى الكليات في كندا وأستراليا وأوروبا.
يقول بولدينج: "هذا الأمر يتراكم منذ عدد من السنوات"، مضيفًا أنه يتوقع أن تقوم كليات أمريكية أخرى منخفضة المستوى بإغلاق برامج الماجستير في إدارة الأعمال في المستقبل.
يصر بولدينج على أن السبب في تراجع الطلب على برامج ماجستير إدارة الأعمال التقليدية لا يعود إلى أن الناس ينظرون إلى التعليم على أنه أقل أهمية. ويقول إن المسألة هي أن لدى الناس الآن كثيرا من الطرق لاكتساب هذه المهارات، إما عن طريق الحصول على شهادات عبر الإنترنت أو مؤهلات درجة الماجستير في الأعمال المتخصصة.
جيفري جاريت، عميد كلية وارتون في جامعة بنسلفانيا، يتحدث عن "التشعب" في سوق إدارة الأعمال. للحصول على أفضل العلامات التجارية لكليات إدارة الأعمال، لا يزال الطلاب مستعدين لدفع علاوة مقابل التجربة، ومن المرجح أن يتزايد التعلم المباشر في الدورات التي يديرونها، بحسب ما يقول جاريت.
في الطرف الآخر، ستصبح التكلفة والملاءمة أكثر وأكثر أهمية. يقول جاريت: "نحن نزداد تصميما في درجة الماجستير في إدارة الأعمال لمدة عامين (التي تتطلب حضور الطلاب للمحاضرات في الجامعة بشكل مباشر)، ولكن الكليات التي تعاني تحديات جغرافية؛ (أي الموجودة في المناطق النائية)، والكليات التي تعاني نقصا في الأموال، تنتقل الآن إلى الإنترنت".
هناك عامل آخر في الولايات المتحدة يتمثل في الاقتصاد المزدهر، حيث توسع الناتج المحلي الإجمالي 3.5 في المائة بالمعدل السنوي في الربع الثالث، وعندما تتحسن سوق الوظائف، يصبح الناس أقل استعداداً لوضع الوظائف في وضع الانتظار للعودة إلى الدراسة بدوام كامل، خوفاً من أن تفوتهم الترقيات.
تعتقد ستيسي بلاكمان، التي تدير خدمة استشارات القبول في إدارة الأعمال منذ عام 2001، أن الانخفاض الذي تشهده المؤسسات الأمريكية هذا العام يشكل جزءاً من دورة ستستعيد المؤسسات عافيتها فيها، بعد فترة.
على أنها أقل تفاؤلاً بشأن الكليات ذات التصنيف الأقل. تقول: "ستنتصر الجودة دائمًا. سوق ماجستير إدارة الأعمال للبرامج الأقل مرتبة ربما تصل الآن إلى درجة الإشباع".

إطار
تفاؤل عمداء الكليات ذات السمعة العالمية

يقول جلين هوبارد، عميد كلية كولومبيا للأعمال: "لو أني كنتُ في سن طلابنا، فأنا بالتأكيد سأدرس في درجة الماجستير في إدارة الأعمال". وهو يدافع عن درجة الماجستير في إدارة الأعمال لمدة سنتين في مؤسسته، التي تبلغ تكلفتها 110978 دولارا في أول 12 شهرًا، باستثناء الرحلات الدراسية وفعاليات نادي الطلاب، وفقًا للكلية.
يقول هوبارد: "هناك تكلفة فرصة ضخمة بالنسبة للذين يريدون الدراسة في برنامج ماجستير إدارة الأعمال. هؤلاء الطلاب لا يشترون منتجات، بل أفكارا وحلولا".
أطلقت كلية إدارة الأعمال في جامعة إلينوي، التي كانت تشاهد طلبًا متواضعًا للحصول على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال بدوام كامل، دورة تدريبية حول آي إم بي أيه iMBA تكلف 22 ألف دولار. يقول جيفري براون، عميد كلية إدارة الأعمال: "(في حين) أن الطلب العالمي انخفض بشكل لا بأس به، إلا أن هناك ارتفاعا في عدد البرامج وشهادات ماجستير الاختصاص البديلة. خارج أفضل عشرين كلية، لا يوجد سوى عدد قليل جدا منها تشهد أي نمو".
تيد سنايدر، الأستاذ في كلية ييل للإدارة، هو أكثر صراحة، حيث يقول إن الانتشار الكبير لهذه الكليات "أفسد" القطاع. "لماذا نحتاج إلى 10 آلاف كلية لإدارة الأعمال في العالم؟".
ومع ذلك فهو حذر بشأن نقطة تحول محددة في ماجستير إدارة الأعمال، قائلا إنه بدأ الحديث عن تغيير في تعليم الإدارة منذ عقد من الزمان.
ويضيف سنايدر: "إنه تغيير بطيء، إذا كان هناك شيء من هذا القبيل. فهناك ضغط من الأسفل، حيث تصبح الطبقة الثانية من الكليات أكثر قوة باستمرار من حيث خصم الأسعار".
استقال آدم بالمر من وظيفته كمساعد باحث في جامعة دوبونت، وكان قد بدأ الدراسة لمدة يومين في برنامج الماجستير في إدارة الأعمال في تيبي في آب (أغسطس) الماضي، عندما أخبره منظم الدورة الدراسية وزملاءه في الفصل أن مجموعته ستكون الأخيرة. يقول الشاب البالغ من العمر 28 عاماً: "شعرت بأن الأرض قد مادت بنا".
لم يتقدم بالمر بطلب الدراسة في كلية إدارة الأعمال إلا بعد أن حثه عمه على ذلك، ورفض عرضا من كلية أخرى ليستفيد من مقعده في تيبي. ويقول: "خلال الشهرين المقبلين، فكرة أنه كان يجدر بي قبول العرض الآخر كانت تخطر على بالي أربع أو خمس مرات يوميا. أردنا أن تضمن الكلية أن الشركات ستظل تأتي إلى الطلاب الذين يدرسون فيها".
على الرغم من عوامل اللبس التي تحيط بمضامين انتهاء الدراسة في كلية تيبي بالنسبة لآفاق توظيفه في المستقبل وحاجته إلى تسديد دينه البالغ 30 ألف دولار، إلا أن بالمر ليس نادما على قراره بدراسة إدارة الأعمال. لقد استطاع تأمين دورة امتياز في شركة "سي في إس هيلث"، الشركة المالكة لسلسلة الصيدليات، في الصيف، وهو يرجو أن يغير مسيرته المهنية ليدخل في مجال تحليل البيانات بعد التخرج.
بالنسبة لعدد متزايد من الأمريكيين الذين يفكرون في أفضل مسار للتقدم في عالم الأعمال، فإن قصة كلية تيبي يمكن فقط أن تعزز من إحساس متزايد بأن تقليد ماجستير إدارة الأعمال بدوام كامل، لم يعد هو السبيل إلى ذلك.

إطار
طلاب الصين في مسار أسرع

عندما أراد دينج يوان تحسين معرفته بالأعمال قبل ثلاثة عقود، ذهب إلى باريس وكان سعيداً بالعمل بدوام جزئي كنادل، يكسب خمسة أضعاف راتب المعلم في الصين.
بعد بناء حياة مهنية ناجحة بما في ذلك أستاذ في كلية الدراسات التجارية العليا، وهي واحدة من كليات إدارة الأعمال الرائدة في فرنسا، عاد إلى شنغهاي، حيث يشرف على الحرم اللامع لكلية إدارة الأعمال الدولية الأوروبية الصينية، وهي شراكة بين الاتحاد الأوروبي والسلطات الصينية.
خطوته هي دلالة على تحركات أوسع، حيث الطلاب والأساتذة في الصين يدركون جاذبية البقاء في الوطن – والطلاب الأجانب وأعضاء هيئة التدريس أصبحوا أكثر اهتماماً بكثير، بالانتقال إلى البلد المزدهر من أجل الدراسة والعمل.
"بالنسبة للصينيين، الدراسة في كلية إدارة الأعمال الدولية الأوروبية الصينية هي الطريقة السهلة لدخول الشركات متعددة الجنسيات. الآن هي الطريقة الأسرع بالنسبة لهم للتواصل مع مجتمع الأعمال الصيني" حسب قول يوان.
في حين أن الاقتصاد سريع النمو وعدد السكان الكبير في الصين يعني أن كثيرين لا يزالون مهتمين بالسفر إلى الخارج للدراسة، إلا أن هناك عدداً متزايداً يشعرون بإغراء البقاء في الوطن لبناء حياتهم المهنية – أو مترددين بأن يكونوا خارج الفرصة من خلال قضاء وقت طويل فوق الحد في الخارج.
يقول الأستاذ دينج إنهم يكسبون القدر نفسه على الأقل عند التخرج بالبقاء في الصين، ويتم توظيف أكثر من نصف طلابه الآن من قِبل شركات التكنولوجيا الصينية مثل علي بابا وتنسنت.
قبل بضعة أعوام، كان يُنظر إلى سنغافورة وهونج كونج بأنها نقاط محورية للطلاب من الصين والغرب المهتمين بالحصول على تعليم عالي الجودة، والاختلاط مع الطلاب من مختلف البلدان وفهم الصين.
الجامعات الصينية كانت تستثمر بشكل كبير في تحسين جاذبيتها للطلاب المحليين والدوليين مع مجموعة من مساقات تعليم الأعمال – بما في ذلك تلك التي تُدرس باللغة الإنجليزية.
كثير منها دخلت في شراكات مع كليات نظيرة ذات مستوى عال في الخارج. وفي الوقت الذي يزيد فيه الاهتمام بالحصول على درجات الماجستير في مجال الأعمال بين المغتربين الصينيين، فقد بدأوا بالتوسع في الخارج هم أنفسهم.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES